Posted by: شيخة المطوع | 2017/10/13

الكثرة والحاجة

أزعم أن هناك علاقة عكسية بين الكثرة والحاجة، فكلما كثرت الأشياء وفاضت من حولنا كلما قل استخدامنا لها بل واحتياجنا الفعلي إليها.
العام الماضي، وبعد حصولي على درجة الدكتوراة أخذت ألملم شمل نفسي، وأرتب أمري بعد انشغال بشؤون الدراسة والرسالة دام لمدة أربع سنوات، والحقيقة التي اكتشفتها أن الكثير يسبب الفوضى ويعيق التفكير، ويفسد الأمور أكثر مما يصلحها …

إذا كثرت ملابسنا وضاقت بها خزائننا تراكمت الفوضى من حولنا، وقلما استخدمنا معظمها، بل إن كثرتها يعيقنا عن رؤية مابداخلها ويمنعنا عن الاستمتاع بها . 

إذا تكدست كتبنا غثها وسمينها، وتراكمت الأغبرة على رفوف مكتبتنا، فإن الفجوة ستصبح بيننا أكبر، وسيصعب الوصول إلى مبتغانا منها. 

إذا تعددت قراءتنا بحيث نقرأ من غير تمحيص واختيار وتدقيق، قراءات مشتته واختيارات متضاربة، فستنشأ قناعات مهزوزة وأفكار متناقضة، وستنعدم الفائدة في أغلب الأحيان.

إذا ازدحمت عقولنا بأفكار وهمية، وآراء مستوردة، وتحليلات غير منطقية، وتوقعات غير حقيقية، وافتراضات سطحية، فإن ذلك ينذر بكارثة فعلية، وسيتعطل العقل عن التفكير ضمن المنظومة الطبيعية. 

إذا تكاثرت في القلب المشاعر السلبية وتضاعفت مع السنين، تخزنت الأحقاد، وحلت الغيرة، واستشرى الحسد، واستبدت الأنانية، وذلك ينذر بموت القلب وتعطِّله عن أداء وظيفته الربانية . 

إذا كثرت العلاقات الإنسانية ، وتزايد عدد الصداقات غير المجدية، فإن ذلك يدل على عدم اتزان الشخصية، وفِي الأعلم الغالب فإن كثرتهم يسبب الصداع ويخلق مشاكل نفسية، وحين تحتاج إلى وقفات جادة حين الأزمات تجد أن الكثرة ولت مدبرة ولَم تعقب، ولَم تحصد منها إلا الخيبة والحسرة الأبدية. 

إذا كثرت التطبيقات الالكترونية في الأجهزة الذكية، فتحت على القلب منافذ لا حصر لها، وللعين مجالات فسيحة للنظر، فتقل في الأعم الأغلب الفاعلية والإنتاجية، وتتولد المقارنات والصراعات الدنيوية . 

وقس على ذلك الأمثلة المضطردة التي لا عد لها ولاحصر، وكلها تدل بمفهوم الغالبية أن الكثرة تؤدي إلى القلة بل إلى النقص، وعدم الحاجة الملحة الفعلية.

ولما رأيت ذلك كله قررت التخفيف والتقليل، بل والإقتصاد لكل ماقد يعوق مسيرتي ويجعلني أعيش في فوضوية فكرية ونفسية، والنتيجة أني لم أفقد شيئاً وازددت صفاءً وسكينةً، وتمتعت بأوقاتٍ استثنائية.

Posted by: شيخة المطوع | 2017/04/19

شجرة وهرة

إذا فتشت في الآيات القرآنية أو بحثت في الأحاديث النبوية ، وقرأت في سير الصالحين والمجددين والناجحين فستجد أن أغلب الأعمال العظيمة أوالأجور الكثيرة مترتبة على أعمال بسيطة ودقيقة جداً لدرجة أنك قد تنبهر بقولك هل سيشكل ذلك فارقاً ؟ 
خذ مثلاً إذا شئت : 

الرجل الذي رآه رسول الله يتقلب في الجنة والسبب: شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس . 
وبالمقابل : المرأة التي دخلت النار والسبب هرة حبستها لاهي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض .. 

 شجرة وهرة يحددان مصيري الأخروي ، ويكونان سبباً في سعادتي أو تعاستي الأبدية !!!!

نعم إن الأمر أبعد مماتظنون فرب عملٍ صغير تعظمه النية ورب عملٍ عظيم تصغره النية ! 
كلمة طيبة قد لا تلقين لها بالاً قد تصلح الحال ، وتجبر الخاطر، وتزيل الهم ، وتبعث الفكرة وقد تحي أمة !!! 
ابتسامة عذبة لا تكلفك شيئاً تكسبك صدقة ، وتجدد الأمل ، وتوطد المحبة، وتزيل ماعلق في القلب من حقد وحسد وتسكن النفوس المضطربة!! 
ادخارٌ بسيط من دخلٍ وفير قد لا تأبهين به، استثماره يسد عنك الخلة، ويرفع عنك الضيق والمذله وقد تجنين منه أرباحاً طائلة تخفف عنك العمل والمشقة ! 
رجلٌ فقير ذليل ، رث الهيئة ، مدفوعٌ بالأبواب لايؤبه له لو أقسم على الله لأبره ! 

 ورب درهم سبق مئة ألف درهم !!
طفلٌ صغير ، إذا أعطيته من وقتك القليل ، وبذلت له من الحب والرعاية ماتستطعين ستجدين زرعك يثمر و يزدهر ولوبعد حين !! 
إذاً لا تقللي من قيمة عملك وإن كان ضئيلاً ، أو تنقصي من قدر أحدهم وإن كان ذليلاً، ولاتتوقفي عن العطاء وإن كان قليلاً ، و احذري أن تيأسي إذا علمت أن الحق أمسى غريباً .. 
كل مسخرٌ وميسرٌ لما خلق له ، وإن عُدمت شيئاً فقد وُهبت أشياء وإن أخفقت بأمر فقد حققت أمورٌ عظام ، فإذا أدركت ذلك حقاً فلن تعللي نفسك بعدم الإنجاز لانك لا تملكين ماتملكه الأخريات من منصب، ومنزلة، وإمكانيات ، كل ماتحتاجينه للنهوض همة وإصرار، وكم رأينا من بدأ من الصفر ليحيلها إلى أصفار ، فالمولى قد أودع فينا عجائب قدرته فلنتقب عن تلك الأسرار .. 
وقد نتجاهل أحياناً أمور بسيطة بحجة أنها لاتؤثر ومن ثم نكتشف أنها تدمر !!! 
نظرة بريئة من غير مقصد … وإذ بها تتابع وتأخذ من القلب والعقل كل مأخذ ، وقد تفتك بصاحبها من غير أن يشعر !!!
رتوش على وجهي بسيطة ، رسمٌ أسود وقلمٌ أحمر .. وردٌ وعنبر ، مسكٌ معطر .. من سيلاحظ شكلي أو يشم عبقي ، انتبهي الأمر أكبر من توقعك والوصف الموسوم بالمتزينة أدهى وأمر …
كلمة عابرة قلتها من غير تفكرٍ أو تدبر ، قد تفرق صحبة ، وتجرح نفساً ، وتدمر أسرة ، ثم نقول : لم أكن أعنها .. على الناس أن تتعقل وتعذر !!! 

أما إذت كنت أنت المعنية فستقولين من ذا على ذاتي العلية يتجرأ؟؟ 
هدية رمزية، لأخت أوقريبة أوجارة عزيزة ، لا أتوقع أنها ستنغني عنها شيئا ، بلى إنها ستغني وتؤثر والدليل : 

(يانساء المسلمات لاتحقرن جارة جارتها ولو فرسن شاة ) 
 ( ولو فرسن شاة ) الفرسن ما يكون في ظلف الشاة ، وهو شيء بسيط زهيد كأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول : لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو قل . 

وفي رواية أخرى ( ولا تحقرن من المعروف شيئاًولو أن تدلو بدلوك في دلو أخيك)
انظر إلى الجبل إنما تكونه من حجر وصخر ، والبحر من ماء مقطر ، والزرع من بذرة حجمها لا يذكر ، والخلية من ذرة لا تُنظر، والكتب من أحرف تُنسق وتُسطر، والخطيئة من ذنبٍ متكرر، والمعاصي من شهوة لا تصبر، والجرم من غضب مستعر ، ومعظم النار من مستصغر الشرر ، وهناك يوم الحشر الأكبر توزن الأعمال وإن كانت كالذر ، وقد يدخلك النارتصرفك مع( هر ) ويدخلك الجنة إماطتك الأذى من ( الشجر) فلنتفكر ونعتبر !

Posted by: شيخة المطوع | 2016/12/14

عندما ندور في فلك أنفسنا

كثيراً ما نَهلك ونُهلك عندما ندور في فلك تلك النفس نتلمس حاجاتها ، نلبي مطالبها ، نتفقد نواقصها، نتبع أهوائها ، نشبع شهواتها ، وهكذا دواليك … حتى يخيل إلينا أننا فلك العالم ، والعالم كله راضخ لمطالبنا ورغباتنا ، فنبدو صغاراً وإن ثقلت مسمياتنا، ومناصبنا… 

تثور ثائرتتا إذا أتت الرياح بما لاتشتهي أنفسنا ، ونغضب ونزمجر إذا رسمت الأقدار قدراً لا تستوعبه عقولنا ولا تتحمله أفئدتنا ، ونطرق كل الأبواب، ونستجدي كل المعونات، ونستخدم كل الوسائل لنحقق لأنفسنا النصر والظفر …

ولو وسعنا أفقنا، ونظرنا إلى حجم همومنا وحاجاتنا مقارنة بالعالم من حولنا، لشعرنا بالخجل والتقصير تجاه خالقنا ، ولصغرت أنفسنا في أعيننا … 

أين مطالبنا من مطالب طفل فلسطيني ُسلب الوطن، والأمن ،والأهل، وكل أمله أن يلحق بذويه في الجنة ؟؟

أين مطالبنا من مطلب شعب هجر وشرد وفقد كل مايملك لينجو بحياته ، ومازال الجزء الأعظم منه قابع في وطنه يصارع الموت في كل حين؟؟

أين مطالبنا من مطلب الآلاف الذي يبحثون عن لقمة مرية ، ونومة هنية ، وعملٍ حلالٍ يسترزقون منه ؟

أين مطالبنا من مطالب شعوبٍ مكلومة ، مستكينة عاجزة ، قابعة تحت ظلم الأنظمة وجور الحكام ، ولا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً؟

أين مطالبنا من مطلب أصحاب الأمراض والأسقام الذين يأنون صباح مساء يرجون رحمة رب الارض والسماوات؟

أين مطالبنا من مطلب من أفنى عمره ليهتدي إلى دين الحق أو يسمع كلمة صدق ؟ 

بالله عليكم أين مطالبنا منهم ونحن نرفل بالنعيم ونتقلب بالنعم !!!

عندما أقرأ سير الصحابة أقف عاجزة وأنا أرى أنهم بمجرد إسلامهم انتقلوا من الدوران في فلك أنفسهم إلى الدوران في فلك الأمة ،ووهبوا أنفسهم ومايملكون لله ،فتضاءلت مطالبهم لتصبح مطلباً واحداً وهو نيل رضا الله والجنة … 

ولعل شعر ابن رواحة يجسد حالهم حينما تردد في الشهادة فيرغم نفسه قائلاً : 

أقسمت يا نفس لتنزلنه 

 لتنزلن أو لتكرهنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنه

ما لي أراك تكرهين الجنة

قد طال ما قد كنت مطمئنة

هل أنت إلا نطفة في شنه… 
 وغيرهم الكثير من المجددين والعلماء والمصلحين لم يكترثوا لمطالب تلك النفس بل جعلوا منها مطية لنيل سلعة الله الغالية ، وجعلوا من الأمة وهمومها فلكاً للدوران ، فذاقوا لذة العيش ، وعظمت مطالبهم ، وارتقت نفوسهم … 

لنلحق بالركب ،ولنصحح مسار الدوران وعلى الله التكلان …

Posted by: شيخة المطوع | 2016/04/15

أحجية قلب

أهدتني صديقتي الأثيرة منذ مايقارب العشر سنوات أحجية على شكل القلب الأحمر النابض بالحياة، والذي بات رمزاً على المودة والألفة بين الأشخاص ، تتزين به الهدايا، وتنمق به الكلمات، ويتصدر وسائل التواصل، وتومض بِه الشاشات …

قبلتها شاكرة ووضعتها على سطح مكتبي، المكان المفضل لدي في أنحاء منزلي، وأخذت ألهو بحل إشكالها بين الفنية والأخرى إذا ما مللت القراءة أو احتجت للتأمل والتفكر، وأخذت بنياتي يساعدنني في فكها وتركيبها،وينافسنني في ذلك…

وجلست اليوم أتأملها على غير العادة، وأنظر إليها بتروٍ، إن هذه الأحجية أقرب للواقع منها إلى الخيال، فالقلب الذي بين جنبينا لهو أحجية كبرى نحتاج لفكها وتركبيها في كلٍ حين، متقلب متلون، معقد النوايا، ومرتكز الإيمان، إن ملكته فقد ملكت العالم بأسره، وإن ملكك فقد يفنى عمرك وأنت لم تلبِ بعد مطلبه… 

غريبٌ هو أمره إذا أحب، وفلسفته أقرب للعجب، يبحث عن من يشبه طبعه فيألفه فيحب فيه نفسه، ويكره من يذكره بقصوره وعيبه فينبذه ، وتارة أخرى تراه يألف من يخالف صفته، ويضاد خلقه وكأنه يستكمل بحبه نقصه، أو يسد حاجته .

يحب فيعفو ويصفح ويداري ويداوي، ويبغض، فتراه يلتمس العثرات، ويعظم الصغائر، ويوجه التهم.  

قد يكون لحبه أسباباً، وينتهي حبه إذا مازال السبب، وغالباً مايكون تعلقه بدونما سبب، تراه يحب فلاناً ويعشقه وإذا سألته عن سبب ذلك تعجب هو من نفسه وكأنك نبهته، ويجيبك بجواب مبهم ولا ضير فالأرواح جنودٌ مجندة …

وترى الحب متمثلاً في أبهى حلةٍ في قلب أمٍ عشقت بنيها دونما سبب، ويستعصي على المنطق أن يحل لغزه، ذاك أنها تحب من تعطيه أكثر من أن تأخذ منه وقد لا تأخذ، أو قد تأخذ مايناقض عطاءها وحبها…

لذلك عُلل حبها بنزعة فطرية ربانية مودعة في أحشائها، ولولاه ما أحبت من تكابد في تنشأته وتعليمه ، وتجاهد في تهذيب سلوكه وتقويم إعوجاجه، وتبذل كل ماتملك في سبيل إسعاده ! 

وتجد القلب في أجمل صوره، وهو يبذل نفسه لمحبوبه، فإذا أحب بذل، وإذا بذل أدهش، فأنعم بحبٍ يبدل أحوال المرء، ويقلب موازينه ..

 خفق قلب الصحابة بحب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فصنعوا الأساطير، وغدت أسطورتهم تترد على الأسماع وتبهر العالم بتغيرهم الجذري من رعاة غنم إلى قادة أمم… 

ومازالت الأمة ترتوي من نبع الحب الذي سكبوه في القلوب، وتتشوق لرؤية من سمعت منهم تفاصيل حياته،وشريعته، وأحبته على الرغم من أنها لم تلتق به يوماً، وإنما ورثت الحب أباً عن جد، بل وغزلت من حبه عقيدة تدين بها ربها، وترسل صلاتها وسلامها لمحبوبهاعلى مدار اليوم، فلا دين في الإسلام لمن لاحب له …

وإن شككت في عقيدتك يوماً أو سلوكك، ففتش عن قلبك فستجد أن هناك خللاً في المحبة، أو في المحبوب، أو في سلوك جادة المحبين ….

ويخفق العقل في صراعه في كثيرٍ من أحواله مع القلب، وتراه يرفع أمامه راية الاستسلام إذا ما أراد أن يحكم حكماً مجرداً، أو يصدر عقوبة، أو يقضي قضاءً صرفاً…

يجد أن حكمه متنازعاً مابين قلب يحب ويميل ويعشق، ومابين عقلٍ يزن، ويحكم، ويقرر، لذلك تكثر الدراسات الفلسفية في تصور العقل قلباً، والقلب عقلاً ، ويؤكد الخالق هذه الحقيقة الصرفة، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ [الحج: 46]، ويخطئ الكثير باعتقادهم تجردهم من ميل قلوبهم واتباع محبوباتها أثناء حكمهم..

  ووجل عليه الصلاة والسلام وهو يقسم أيامه بين زوجاته بالسوية، أن يؤاخذ بميل قلبه لإحداهن فرفع كفه وناجى ربه أن لا يؤاخذه بما لا يقدر على كفه أو صرفه فقال ” اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لاأملك” …

وكأنه يعلمنا درساً في الحب.. أحبب من شئت ولكن حذار أن تحكم بموجب حبك فتنتقص حق غيره … 

إيه لك أيها القلب … ماأعسر فهمك، وما أشد تقلبك! 

 تحب و تعشق وترسم من صور العشق ألواناً، وقد تنقلب في لحظة فيصبح الحبيب بغيضاً والخل عدواً، وتنكل وتكيد بمن كنت تتفنن في رضاه، وتشتري مودته، وقد تتقلب وتتنصل من أصلك، وتنسلخ من فطرتك، وتعادي دينك، فكيف ياترى يركن إليك البعض ويرضونك حكماً وقائداً ودليلاً ؟! 

يامقلب القلب ثبت قلبي على دينك …

قلوبنا بين يديك تحركها كيف تشاء، فكيف بقلب قد كسته الذنوب حلة أن يقوم بشأن صاحبه، أو أن يصمد حين القدوم عليك يوم لاينفع إلا من أتاك بقلب سليم ؟ 

لا خلاص لك أيها القلب إلا بمحبة مقلبك ومن أمره بيدك، ومن إليه مرجعك، فتفطن إلى من أنت محط نظرته وعيانته، فلم يفز أبا بكر إلا بشئ وقر في قلبه..

أتممت حل أحجيتي وأنا أستخضر من قد سكن القلب وزاد من رونقه، وكساه حمرة وهاجة تنظم ضرباته، وتكسبه صحة عضوية، وراحة نفسية ينأى بها عن حب ماسواهم ومن سواهم، شكراً لكل من جعل قلبي يتوهج بحبه، ويأنس بقربه ، فإن لم نُحِب، وُنحَب فلا ملاذ للعيش، ولا أنس بالحياة … 

Posted by: شيخة المطوع | 2016/01/03

سنن التغيير 

في مطلع كل عام تراودني أسئلة شتى وأحاول أن أجد لها أجوبة مختلفة، و لعل السؤال الأكثر إلحاحاً علي هذا العام من بين كل الأسئلة هو:

لماذا يبهج الأعم الأغلب في بداية كل سنة، أو مطلع كل موسم، في بداية السنة الدراسية، وفي بدء التعيين الوظيفي، وفي مطلع السنة المالية، وفي غرة شهر رمضان، أو شهر ذي الحجة؟

مامنشأ ذلك الشعور الذي يبدأ يتسلل إلينا، ويدغدغ أحاسيسنا، ويخدر شعورنا بالألم والضيق لفترة ؟

وقد يتصرف المرء في هذه الأيام مالا يحسنه طوال العام، وغالباً ماترى الابتسام يطغى على الوجوه، والبشر يعم النفوس، والكل يسعى لإيقاف الأحقاد، والأحزان، ويتناسى المصائب التي حلت به لحين من الزمن ، ويتطلع لآمالٍ جديدة، وأمنيات وافرة..

ولعل الجواب الذي وجدته مناسباً هذا العام أكثر من غيره، هو الرغبة في التجديد والتغير، الرغبة في أن نكون هذا العام أفضل من ذي قبل، الرغبة في أن نكون أصدق كلمة، وأوثق عهدا، وأسعد حالاً، وأرفع شأناً، وغيرها من الأمنيات التي لا سقف لحدودها ولا منتهى لطلبها…

فحينما تتملكنا تلك الرغبة وتتجدد في مطلع تلك المواسم، نجد أننا لاشعورياً بتنا نهيئ أنفسنا لنكون أهلاً لتلك الأمنيات، وتتبرمج أذهاننا للعمل وفق مخططاتنا التي رسمنا، وأحلامنا التي نسجنا…

إذن ما الذي يجعلنا نتوانى في تحقيقها ؟ لماذا يخف شعورنا بالنشوة تدريجياً إلى أن يعدم عند البعض، ويأخذ في التهالك عند البعض الآخر؟ وتظل طائفة قليلة تكافح وتجاهد وتجدد الشعور في نفسها بين الفنية والأخرى …

وإذا أتينا موسم الحصاد نجد أن الأعم الأغلب لا يجد مايحصده، أو أنه يجد مالا يسد رمقه، ويشبع نهم نفسه، وتتأجل الأمنيات للعام المقبل لعله يأتي بالجديد، وتتكرر الأعوام وتصطحب معها مخزون الأمنيات ويظل صاحبها يمني نفسه بالتغيير إلى أن تؤول تلك الأماني إلى الكساد، وتصير إلى الفساد، بحيث لاتطرب قلباً، ولا تبهج حالاً، ويزهد صاحبها بنفسه قبل أن يفقد الثقة فيمن حوله .

ومرد ذلك من وجهة نظري إلى أمرين:

الأمر الأول: أننا دوماً إذا ماطمحنا إلى التغيير فإننا ننظر إلى كل مايأتينا من الخارج ونعلق علي مجيئه سلسة لا متناهية من الآمال ونقنع أنفسنا أننا لن نتغير إذا إلا جاءت الرياح بما نشتهي ونبتغي، فإذا تخلفت أو تأخرت ذهبت آمالنا و تلاشت أحلامنا …

الأمر الثاني: أننا نتعجل النتائج، ونطمح إلى آمال تواكب عصر السرعة، فإذا ما تعرقل تحقيقها، وتأخر نتاجها، دب إلينا اليأس، ووهنت عزائمنا، وخارت قوانا، فإما أن نندب سوء حظنا، وإما أن نلقي اللوم على ماحولنا من بشرٍ، أو قدر..

ولأن هذا الكون يسري ضمن منظومة ربانية محكمة ، فمحالٌ علينا أن نحقق آمالنا مالم نسير وفقها، وسنظل نتخبط إلى أن يتوفانا الله مالم نتنبه أو نتيقظ…

والسنن الكونية التي هي مدار التغير:

١-التغيير يبدأ من الداخل

” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ. “

٢-العمل الدؤوب والمخلص سيؤدي إلى حياة طيبة، ونتائج مبهرة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

٣-الصبر وعدم استعجال النتائج.

“أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ”.

فإن أخللنا بواحدة منهم فإننا ندور في دائرة مفرغة، فقد نكد ونكدح ولكننا نتعجل الثمر، فما نلبث إلى أن نيأس ونعود إلى سابق عهدنا، وقد نعمل ونثابر على أن نصلح من حولنا دون أن نلتفت إلى أننا أساس التغيير ومنشأه، فيحدث حينها الارتباك والتراجع ونبدأ نسخر كل جهودنا وما أوتينا من قوة لنندب حظوظنا، ونعيش ضحايا لأوهام اختلقناها لاتغدو لأن تكون ظناً في أحسن أحوالها!

والعجيب في الأمر أننا بعد أن نلقي اللوم على الظروف والأحوال نتجرأ لنلقي بلومنا على الله مسبب الأسباب ومقدر الأقدار!!

والله سبحانه يقول” فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلاً”

ونحن نخالف السنن وننازع الأقدار ثم نرنو للتغير، ونتمنى على الله الأماني ..

لن أرفق مع مقالي هذا مخططاً للسنة القادمة أو أدرج جدولاً لقياس التغيير، ولن أضع نصائح أوأكرر أفكاراً لزيادة الإنتاج، فقط أدعو كل واحد منا أن يتأمل موضع الخلل، ثم ينظر أين التقصير ويباشر العمل وفق سنن إلهية محكمة، وسيفجأ من النتائج والعطايا الربانية التي لا تخطئ، ولاتنقص، والتي وإن تأخرت فستبهر إن قدمت.

أتمنى لنا جميعاً عاماً هانئاً برفقة : تغير، اعمل، اصبر، وحتماً ستربح.

Posted by: شيخة المطوع | 2015/06/13

بين المثالية والواقعية 

تلك الفلسفات الغربية التي نشأت في ظل ظروف معينة، جعلت العالم ينتقل من حال إلى حال آخر في تصويره للحياة والأحياء، وانتقلت تلك الفلسفات من مجرد نظريات تجريدية ليمثلها الأدب، والفن ، والفكر في تلك الحقبة الزمنية …

أخذت أتأمل وأنا أقرأ عنها- بغض النظر- عن مضمونها ومحتواها- كيف لنا أن نفعل المثال في حياتنا دون أن نهمل الواقع أو نقلل من شأنه ؟ !

وكان هذا السؤال بوابة لوابل من الأسئلة التي تتابعت على ذهني بلا هوادة …

هل يدعو ديننا إلى الواقعية أم المثالية ؟ 

بمعنى آخر هل هو واقعي في طرحه ومضمونه ؟ أم أنه يجنح إلى المثال والكمال؟

وإن كانت الواقعية هي سمته ووجهته فإنه في الوقت نفسه محاط بتشريعات أخلاقية وعبادية تجعل الإنسان في مصاف الملائكة الأبرار!! 

هل نحن مطالبون بالمثال في حياتنا وتوجهاتناواختياراتا، أم أن الواقع كثيراً مايحدد ذلك ؟ 

هل الارتقاء الحضاري يتطلب منا تفعيل دور المثال والحث على الأخذ به، أم أن التماشي مع الواقع خطوة لابد منها في سبيل الرقي والإرتقاء؟! 

وغيرها من الأسئلة التي جعلتني أتنقل بين الأحداث والمواقف، وبين مناهج التعليم، والمحاضن التربوية، وبين الكتب التي عشت بين دفتيها حيناً من الزمن..  

كان الأغلب على طرحها التنديد بالواقع المر، والدعوة إلى نبذه وتركه، والتمسك بالمثاليات، والشخصيات النموذجية، والعمل على تهذيب النفس وكمالها،فإنه السبيل الأمثل للرقي والوصول …

ولا شك أن هذا الطرح أثمر في جوانب عدة، ولكن كان عليه مؤاخذات أيضاً،

فالخطأ الجبلي البشري أخذ يعظم في عيني ولا أسامح نفسي فضلاً عن مسامحة غيرى، وأخذت أرنو إلى حياة مثالية لا أجد لها واقعاًإلا في ذهني ، وبدأت أعتزل من حولي لاسيما في أيام شبابي، أأنف من أي فعلٍ مخالف للمثال ولا أتقبل بحالٍ صاحبه، وهذا ماجعلني أنبذه بدلاً من دعوته والأخذ بيده والنهوض بحاله، ودرجت على هذا النحو حيناً من الزمن إلى أن وهبني الله الذرية ،وحينما بدأت بتفعيل القواعد المثالية معهم مع عدم مراعاة واقع ضعفهم ،وجهلهم، وقلة حيلتهم، خبت وخابت وسائلي التربوية، تعلمت الكثير من خلال معايشة تلك الهفوات والنزوات البشرية التي تحتاج من يتقبلها بداية ،ومن ثم يهذبها ويأخذ بيدها، حتى بت أهذب نفسي من جديد…

رأيت عيوبي وهي متمثلة هنا في تلك الأجساد الغضة البرئية، شاهدت تمردي وعنادي، وجدلي اللامتناهي، وتكاسلي عن أداء مهامي، ورأيت نفسي وهي تنهاهم عن كل ذلك ،وتلتمس لذاتها العذر وتجد لها منطقاً واهياً يزينه لها الهوى والشيطان … 

 .. إيه لتلك النفس كيف ترى أنها في مدارج السالكين، والحق أنها في خضم المذنبين المقصرين …  

وبعد جولتي القصيرة مع ذاتي، وتطبيق الواقع والمثال في حياتي ، جال بخاطري حال الأمة الراهن وأخذت أرى المعالجات المختلفة للجماعات ،والأحزاب الدينية والفكرية ،والتربوية، من مستسلم للواقع ماثلٍ له، ومن نابذٍ له غير معتدٍ به، وعلى إثر تلك الأفكار تُؤسس الأجيال، وتُصاغ العقول، ونتائجها باتت مؤشرة بالهلاك القريب …

ولما أخذ إلحاح الأسئلة مني مأخذه هرعت إلى القرآن والسنة أستنطق مضامينها لعلي أجد في معالجتهما مايشفي غليلي، ويسكن ثورة نفسي ، ووجدت أمراً عجباً :إن الأمر أشبه بمعادلة رياضية سهلة يسيرة ، ولكن الأخذ بها يحتاج إلى سعة فهم ،ورؤية شمولية ، وجهود متتابعة ابتداءً من الفرد وانتهاء بالأمة … 

وجدت الإقرار بواقعية الإنسان لدرجة أنه إن لم يقترف ذنباً وقصر فسيستبدل بمن يفعل،ويستغفر فيغفر له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”

(رواه مسلم)

ووجدت المثالية متمثلة هناك في القرون الأولى ، والتي أتت تبعاً لمن أقر ابتداء بواقعيتها، ومن ثم ارتقى بها مدارج الكمال …

إذن فالمعادلة الربانية تقول :

الواقعية +المثالية = الإرتقاء بالأمة والبشرية .

Posted by: شيخة المطوع | 2015/02/22

بين المدينة والعقيدة

في القرية تجد الحياة هادئة رتيبة ..
وفي المدينة تجدها مزدحمة سريعة ..

في القرى تجد الأمور فطرية بسيطة..
وفي المدن تجدها أكثر تعقيداً وصعوبة …

في القرى يتعامل الناس بمشاعرهم وعواطفهم
وفي المدن يتعامل البشر بدينارهم ودرهمهم

في القرى تجد المبادئ راسخة والأفكار…
وفي المدن تتغير وتتبدل ماتعاقب الليل والنهار ..
في القرى يعيبون أهل المدن وينتقدون تمدنهم
وفي المدن يتهكمون على أهل القرى ويزدرونهم…

في القرى يحاربون لقيمهم وينتصرون لعقائدهم …
وفي المدن يحاربون من أجل لقمة عيشهم وينتصرون لأنفسهم ..

وغيرها كثيراً من المفارقات العجيبة التي لا تخلو منها قرية ومدينة ، فكرت ملياً وتأملت أحوالهم فإذا بي أجد أن قلوبنا قد تكون قرى أو تكون مدائن …

قد تكون قلوبنا كالقرية الحميمة تعيش فيها عقائدنا في حصون ٍ وقلاعٍ منيعة …

إذا مسك عارض أو ريب حاربتيه بكل بأس وأعددت له العدة والعتاد ..
وإذا خالفك غيرك نظرت له نظرة اشفاق واحترام وقلتِ: بتميزنا نتصف وبتمسكنا نعترف …
وإذا تزعزع من حولك استمديت من مبادئك الثبات والقرار…

وقد تكون قلوبنا تشبه المدينه ، تسكنها عقائدنا لفترة ثم لا تلبث إلا أن تغادرها غير مكترثة أو مستكينة ..

قد تؤمنين بفكرة وتعيشين لأجلها ثم يتطرق إليك الملل وتودعينها على عجل ..

واذا رأيت من حولك يغيرون ويبدلون ، شمرت ساعدك لتلحقي الركب قائلة : خذوني معكم أكن كما تشاؤون …

. وإذا تطرق إليك لمعتقدٍ شك أو وهم ، جعلتيه حقيقة وصارعت من أجل إبطاله العالم ..

أين نحن من أصحاب المبادئ الراسخة الذين تقوم الدنيا وتقعد وهو شامخ كالطود لا تثنيه الريح ولا تهزه العواصف ..

كان الصحابه يصفون ابن عمر قائلين
( مامنا من أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها إلا ماكان من عبدالله بن عمر)
كناية عن ثباته وتمسكه ….
هذا حال الناجحين من المؤمنين أوحتى من غيرهم..
لو ترقبين المتميزين تجدينهم يمتازون بالالتزام والثبات ..
وإذا شئت فانظري لمن دونهم تجدينهم تسيرهم أهوائهم مرة يصيبون ومراتٍ يخفقون ، ليس لهم أرض صلبة على أساسها يستقرون ..
•إذا شئت أن تتميزي فلتبني معتقداتك على علمٍ وفهم فإن بنيت على جهلٍ فستكون في طريقها للزوال …
•ثم اجعلي لأفكارك وايمانك أسواراً من الاقتناع والتشبع حتى تحاربي الشك والوهم ، وسبيلك إلى ذلك كثرة ترديدها ومعايشتها والعمل بمقتضاها..
•ومن ثم لتجري منك مجرى الدم من العروق ،اصحبي من يوافقك عليها ويشجعك على الالتزام بهديها فإن هذا من شأنه أن يزيد من ثقتك ويؤكد صحة إلتزامك ..

• إن مما يزيد من يقيني دوماً، ويجعلني أومن بصحة معتقداتي يوماً بعد يوم هم أناس على مثل شاكلتي أراهم يقاسون ويعانون ليدافعوا عن قضية، خذي مثلاً محمد الفاتح عندما أراد أن يفتح القسطنطنية ،استعصت عليه لما يقارب الشهرين ولكن إيمانه كان عظيماً ويقينه واضحاً وكان عمره قد قارب العشرين ، لم يتزعزع أو يلين أو قال كيف لي أفتح مدينة استعصت من قبلي على المسلمين ، حارب واستبسل ، فكر ودبر وتفكر ثم أعلنها صريحة أمام شعبه قائلاً:
(حسناً إما يكون لي فيها قبر أو يكون لي فيها عرش)
ففتحها الله له واستحق الخيرية في الدنيا والآخرة ..

وهذا سعد بن أبي وقاص من أحسن الناس برًّا بأمه وقد نزلت فيه هذه الآية: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا}
قال: كنت برًّا بأمي فلما أسلمتُ قالت: يا سعد! ما هذا الدين قد أحدثت؟! لَتَدَعَنَّ دينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب؛ حتى أموت فتُعَيَّر بِي فيُقال: يا قَاتِلَ أُمِّهِ، قلت: لا تفعلي يا أُمَّه إني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثتْ يومًا لا تأكل ولا تشرب وليلة، وأصبحت وقد جهدت فلما رأيت ذلك، قلت: يا أمَّه! تعلمين والله لو كان لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت دينى، إن شئتِ فَكُلِي أو لا تأْكُلِي.. فلما رأت ذلك أكَلَتْ.

فهل عندنا من القوة والحماس مايكفي لأن نجعل قلوبنا مرفئاً لأفكارنا وقيمنا ولا نكن متقلبين مرعزعين كأهل المدينة ؟؟؟ !!!!!

Posted by: شيخة المطوع | 2015/02/21

عاشق

كتابٌ اقتنيته ، أعجبني لفظه ، جذبني وصفه، تحمست لقراءته ومعرفة فحواه ولبه، خاصة وأن د. عائض القرني مؤلفه ، قلت في نفسي: مؤكدٌ أنه يحكي عن العشاق وقصصهم ، محبوباتهم وتغنيهم وطربهم ، ومن ثم مهلكهم
وفي سبيل الحب لابد أن يكون مصرعهم …

ولما تلقفته وأخذت بتقليب صفحاته وتأملته ، إذ بي أفجأ أنه يحكي عن عشقه وهيامه وتعلقه ، يحكي هو عن قصته منذ أيام صباه و نشأته إلى أيام رجولته وإكتمال حكمته …
لنرى ماذا يقول عن شغفه وحبه ( بعدما فارقت سن الطفولة وزمن اللهو اتخذت الكتاب جليساً وسميراً وأنيساً ، أُصبح والكتاب صاحبي ، أُمسي والكتاب رفيقي ، أنام وهو على صدري ، أحتضنه وأنا أمشي ، سلوت به عن الأهل والإخوان وتشاغلت به عن كل صديق، ولقد مر علي زمان وأنا أطالع الكتاب في وقت الأكل ، آكل وأنا أقرأ ، أمسي وأنا أقرأ، أرى زملائي يمرحون ويسرحون وأنا أقرأ، أشاهد اجتماع الناس وفرحهم وطربهم وأنا مشغولٌ بكتابي هائمٌ بأوراقي ….)

ثم تكلم عن معشوقه بإسهاب وهيام وذكر من رافقه في عشقه وشاركه في محبوبه من الأئمة والعلماء والأدباء ، وكان كما قال الشاعر :
أنا العاشق المقتول والحب مذهبي
شراعي طموحي والعزيمة مركبي
شققت الدجى بالحرف أسهر قارئاً
أناجي قراطيسي وقصري ومكتبي
تسامريني الأوراق لا السر ذائعٌ
لديها ولا سرد الحديث بمتعبي

أي عاشق وأي معشوق هذا ؟!
نعم إنه من أمة محمد الذي أقسم ربها بالقلم ، وكان أول ما أنزل إليها ( إقرأ) ولم يقل ( رتل) أو ( اسجد ) أو ( اركع ) أو ( قم) …
إيذاناً منه أن كل ما من شأنه أن يسمو بالأرواح ويعلو، ويشحذ العقول، ويوقد الهمم، لابد أن يكون منبعه العلم والقراءة ورسم القلم.

وبلمحة منك عابرة الآن إلى أمة (إقرأ) تدرك الهوة الواسعة بين مايدينون به ويرددونه وبين مايعملون به ويقرأونه …

لنتكلم بلغة الأرقام فإنها في هذا الموضع أبلغ من الكلام ….

• أشار أحد الباحثين في آخر مؤتمر عقده اتحاد الناشرين العرب إلى أن متوسط ما يقرؤه الأوروبي هو خمسة وثلاثون كتاباً في السنة، على حين أن الإسرائيلي يقرأ ما متوسطه أربعون كتاباً في السنة، أما الشاب الهندي فإنه يقرأ ما يقارب عشر ساعات أسبوعياً، أما العربي فقد ذكر الباحث أن كل ثلاثة آلاف ومئتي عربي يقرؤون كتاباً واحداً في السنة!!!
ولكم أن تتخيلوا أن كل ٣٢٠٠ شخص يجتمعون لقراءة كتاب واحد كل ٌ يقرأ سطر أو سطرين !!!
•وفي دراسة عن اليونسكو أوضحت أنه لايزيد الوقت المخصص للقراءة الحرة عند الطفل العربي عن ست دقائق في العام. أما حجم الكتب المخصصة للطفل العربي ( 400 كتاب في العام) مقابل 13260 كتاب في السنة للطفل الأمريكي و 3838 للطفل البريطاني و2118 للطفل الفرنسي و1485 للطفل الروسي.

•أفادت دراسة صادرة عن مؤسسة الفكر العربي – التي تتخذ من بيروت مقرا لها – بأن نسبة القراءة في العالم العربي بلغت مستويات متدنية تبعث على القلق.
وأوضحت الدراسة أن معدل القراءة لدى الفرد العربي لا يتجاوز 6 دقائق سنوياً في حين أن حصة نظيره الأوروبي تبلغ نحو 200 ساعة سنوياً. ووصفت المؤسسة واقع القراءة المسجلة في الوطن العربي بأنها “مخيفة وكارثية”. ..

لذلك عندما وصل جيش هتلر في الحرب العالمية الثانية بالقرب من دولة عربية وهي الجزائر،أرسل هتلر رسالة إلى قائد الجيش بأن يغير اتجاههم إلى روسيا , والسبب “كتب هتلر في الرسالة دعوهم فإن هزيمتهم سهلة جداً ومن دون حرب لأنهم شعوب لاتقرأ !!!

• لماذا يقرأون ولا نقرأ؟
إذا سافرت للدول الغربية والأجنبية تعلم مايتكلم عنه العشاق أمثال ( القرني ) وغيره ، فهو يرافقهم في حلهم وترحالهم ولا يفارقهم ، لأنهم علموا أن الحضارة والتمدن متصلة بالكتاب والمحبرة ، فإذا ماتركوها عادوا أدراجهم من الذل والهوان الذي عايشوه حين كانت كنائسهم تحرم عليهم التعلم وتقر عقوبات لمن شأنه أن يأتي بنظرية، أو يتوصل إلى حقائق ويأتي بالعلوم والمعارف..
حينها عندما كان المسلمون تحركهم عقائدهم وقرآنهم مذهبهم ، جعلوا من الكتاب بوابة المجد ومسالك للرقي والعز ، تأمل أحوالهم :

• ابن الجوزي يقول( لو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد في الطلب)
• الحسن اللؤلؤلي يقول :
( غبرت أربعون عاماً ما قِلتُ ولا بتُ، ولا اتكأتُ إلا والكتاب موضوع على صدري )

•سئل أبي داود السجستاني ( صاحب السنن) عن طريقة تفصيل ثوبه فقيل له: كمٌ واسع وكمٌ ضيق ، قال الواسع للكتب والآخر لايحتاج إليه..

• ورؤي أبي العلاء الهمذاني في المنام في مدينة جميع جدرانها من الكتب وحوله كتب لا تُحد وهو مشتغلٌ بها فقيل له ماهذه الكتب ، قال: سألت الله أن يشغلني بما شغلني به في الدنيا فأعطاني )

وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز :
” حب القراءة من النعيم المعجل للمؤمن في الدنيا ”

هذا تراثنا ، وذلك هو عطاؤنا لذلك تميزنا وسدنا ويوم أن تركنا ضعنا وتقهقرنا …

• كيف نحن صانعون؟
لم ندون النسب ، ونذكر القصص السابقة لتقليلب المواجع ، أو لعقد المقارنات، أو للتغني بأمجداد الآباء والأجداد ..
إنما ذكرناها لنضع أيدينا على موضع النقص والشين ثم نصحح المسار ونقوم الإعوجاج ..

•لماذا نقرأ؟
قد يكون العزوف عن القراءة في مجتماعتنا لجهلنا بثمراتها وعظيم أثرها …

•نقرأ : لأن عقولنا تحتاج لأن تنمو وتتسع ، حالها حال أجسادنا غير أن غذاؤها يختلف ،ونموها مرهون بما نودعه فيها من علومٍ ومعارف، ومن ثم فإننا سنزدان بالحكمة ونتخذ قراراتنا على دراية وتفهم …

• نقرأ : لأن القارئ غالباً لايهزم ، وأمام المصائب لا يتقهقر فبفضل قراءته يضيف خبراتٍ إلى خبرته ، ويزيد لرصيد تجاربه
والفطن لايلدغ من حجرٍ لدغ به غيره …

نقرأ: لأن القراءة تعزز لدينا الثقة بأنفسنا ، وتجعلنا نتفوق على من حولنا بخبراتنا ، ومعارفنا ، واطلاعتنا ستفتح لنا آفاق التعرف والاحتكاك بالمميزين الناجحين وهذا من شأنه أيضاً أن يرفع منسوب الثقة لدينا فنختصر المسافات لبلوغ الغايات بإذن الله…

• نقرأ: لأننا بالقراءة نتعلم كيف نعبر عن ذواتنا ونتكلم عن مشاعر تختلجنا ، وقد يقودنا ذلك للكتابة والتميز بها، أو الخطابة والتفنن في إلقاءها ، أو يعزز لدينا مهارة التفكير والتحليل والنبوغ بها ..

إذًا : كيف السبيل إلى ذلك ؟

• لنجعلها لنا عادة ونهجاً، ولنخصص للقراءة وقتاً لا نشغله بغيرها ، وذلك كل يوم وإن قلت الكمية المقروءة والساعات المخصصة ، فإنها ستتضاعف مع الأيام وتتحول إلى عادة وهواية محببة ، و{ أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل}

• لنعود على ذلك أبناءنا ، ولنعزز لديهم ذلك المفهوم من خلال نشر الكتب في المنزل ، ووضع مكتبة في كل موضع ، فسيرون كتباً أينما ولوا وجوههم ، فسيدفعهم الفضول لقراءتها والبحث عن مكنوناتها ، لا سيما إذا حثهم الآباء على ذلك وجعلوا من أنفسهم قدوة لهم .
• قصة ماقبل النوم :
إذا ماأردت أن تستحوذي على قلوب أبنائك وتستهوي حضورهم وتفاعلهم معك ، ماعليك إلا أن تخصصي دقائق من وقتك قبل خلودهم إلى نومهم ، حدثيهم بقصص واقعية ، أو حتى من نسج الخيال إذا كانت ذات عبرة مجدية ، وتستطيعين أيضاً أن تنقدي بعض تصرفاتهم وتقوميها من خلال قصة وطرفة ، وستجدين أن التصرفات تغيرت ،والشخصيات في أذهانهم تبلورت ، والعقائد غُرست، والمفاهيم اتضحت ، وبالنهاية ستجدينهم يزدادون تعلقاً بالكتب التي نقلتهم من عوالم حقيقة ووهمية إلى عالمهم الفعلي ..

• للمؤسسات التعليمية دورٌ كبير في تعزيز ذلك السلوك لاسيما المدارس ، فلتقلل كمية الواجبات المطلوبة ، ولتطالب بالكتب المقروءة في شتى المجالات حتى تكسر روتين المناهج الدراسية التي عادة ماتتسم بالجمود والسطحية …
لي قريبة تقطن في كندا ، تقول أن ابنتها منذ التزمت بالمدارس النظامية لا تعود من المدرسة بواجبات بل بقصص وكتب عليها أن تقرأها لتناقشها غداً في فصلها ..
أنعم بها من عادة ، وياحبذا لو تطبق في فصولنا ويكلف بها معلمينا..

•انتشرت في الآونة الأخيرة في بعض الدول العربية عادة صحية تحبب القراءة إلى الفئات الشبابية ، ألا وهي مجموعات القراءة ، وتتكون من ثلاث أشخاص كحدٍ أدنى إلى ١٢ شخص كسقفٍ أعلى وفكرتها تقوم على أن يقوم مرتاديها بقراءة كتاب وقع الاختيار عليه من قبلهم ومن ثم تتم مناقشته في وقتٍ محدد ، وللمجموعات هذه تأثير بالغ من حيث أن المناقشة للفكرة تثريها وتعزز مصداقيتها ، إضافة إلى أن اختلاف وجهات النظر توسع المدارك وتجعلك تطلع على ماخفي عليك ، وكونك ملتزم بوقتٍ محدد فهذا يجعلك تنهي الكتاب بأسرع ماتنهيه منفرداً ، ولقد أسسنا مع مجموعة طيبة من الأخوات مجموعة ( كلمات) للقراءة منذ سنتين وقرأنا خمساً وعشرون كتاباً، فلو قرأنا منفردين لحققنا نصف الكمية ،فلله الحمد والمنة من قبل ومن بعد …

الحديث عن القراءة وعشقها لا ينتهي فلنحمل معنا معشوقنا في كل وقتٍ وحين، ولنوليه عنايتنا وإهتمامنا، ولنري العالم أجمع أننا أمة تقرأ، وتعمل ، وترنوا للعلا …

Posted by: شيخة المطوع | 2015/02/21

أغثنا من الادمان

طفلٌ سعودي يبلغ من العمر ثلاث سنوات ، عندما بدأ في نطق الكلمات قال ( ماما) ( بابا)
ثم لم يزد على ذلك شيئاً ، لاحظ أهله أنه بدا غريب الأطوار ، يتخيل عالم وهمي يبدو أنه يتواصل معه ، فقد التواصل ممن حوله حتى أنه ماعاد ينطق باسم أبيه وأمه أو يسلم على أهله وجدته وجده ، أحس الأبوين بالخطر المحدق بهم ، عرضوه على مختصة نفسية فسألتهم ببساطة عن جدوله اليومي وهنا كانت الكارثة ….
كان الطفل يقضي ما يقارب الست ساعات متسمراً أمام شاشة التلفزيون ثم ينتقل منها إلى شاشة الآيباد يلعب بالألعاب الالكترونية وهكذا منذ أن يصحو إلى أن يحين موعد
نومه …

المرشدة النفسية قد نبهتهم إلى خطورة ذلك الأمر، وبدأت معهم خطوات العلاج ولم يزد الأمر على اسبوعين من تنظيمها لبرنامج يومه وتحديد ساعات مخصصة لألعابه وانطلاقه ،الا والطفل عاد أدراجه وبدأ يلهو ويلعب ويتكلم وينطق ويسلم ويرحب وتجاوب الوالدين كان واضحاً وتأثرهم وأسفهم لما حدث يبدوا جلياً ، مع هذا كله إلا أن هذا المشهد الذي رأيته في البرنامج التلفزيوني ( التفاح الأخضر) قد أثار شجوني وأثر فيني لدرجة أني تخليت العالم كله قد صار كذلك الطفل يشاهد ويتحرك لا يسمع ولا يتكلم !!!

عندما أخذت الأجهزة المحمولة بالانتشار بين الصغار والكبار ، أخذ أهل الفهم والعلم والحلم ينبهوننا إلى مخاطر كثرة الاستعمال ، ويوجهونا إلى التقليل من آثاره قدر المستطاع ، ثم لم يلبث إلى أن تكاثر وتناسل بأمزجة جديدة وألوانٍ وخدماتٍ وأحوال..
إلى أن أصبحت إذا حملته فإنك تحمل معك مكتبك ، وعلاقاتك، وأهلك ، وأجندتك ، وقائمة الأصدقاء والمشتريات ، إضافة إلى مذكراتك وكتبك ومراجعك بل ومذياعك وأحوال الطقس ونشرة الأخبار ، وصرت إذا نسيته فكأنما نسيت بعضك أو تركت خلفك يدك أو قدمك !!

وللأسف فقد تفشى هذا الإدمان إلى أجيال بريئة نقية أقحمناها إلى حياتهم وانتزعنا لهوهم وبراءتهم ، فصرت ترى الكل به مشغول في المنازل عم ّ الصمت، وحُلت الخلافات ، وتبدلت العلاقات ، وفي الاجتماعات الأسرية والمناسابات الإجتماعية اصبح يغني الخليل عن خليله والمرء عن جليسه وصفيه !!
وفي المستشفيات والأسواق والمراكز والمعاهد والمنظمات والهيئات أصبح الكل لا يمل من الانتظار فالأنظار متعلقة، والأجساد مكبلة ، والعقول هائمة مبرمجة …

نعم لقد تسلل إلينا بخفة لينتشل منا أغلى ما نملك ( أوقاتنا ، قرآننا ، أذكارنا، علاقاتنا ، أهلنا وأحبابننا وهلم جراً…
ناهيك عن أضراره على الصحة الجسدية وإشعاعاته المؤذية ، وتأثير بعض برامج الترفيه على الأنشطة والخلايا الدماغية …
ما العمل إذن وما الحل ؟؟؟
هل نقتني أم نستغني وماهي الخيارات المتاحه لنوقف سيل الانجراف العارم الذي اجتاح بيوتنا وقلوبنا ومجتمعاتنا بغض الطرف عن التمايز البيئي والاختلاف العقدي بين الطبقات..
أولاً: علينا أن نعلم أنه مثله مثل أي جهاز الكتروني ، له ماله وعليه ما عليه …
يستخدم وقت الحاجة بكميات محددودة ، بأوقات معدودة ، فأحدد وقتاً للحديث ، ووقتاً للرسائل ووقتاً لمتابعة الأخبار ومن ثم التزم بذلك قدر الإمكان فأنا من أحدد أولياتي وأنظم يومي وليس لأحد أن يقتحم وقتي ويجبرني على التواصل معه وإلغاء بقية مخططاتي .

ثانياً: لنصطحب معنا دوماً كتاب نطالعه ، أو دفتراً ندون به ، أو عملٌ يدوي ننجزه خلال اضطرارنا للانتظار، وسنندهش من كمية الامور التي باستطاعتنا الانتهاء منها في الأوقات المهدرة .

ثالثاً: من الأمور المعينه على التحكم بالاستخدام أن أعلم أنه ليس من الضروري الرد على كل رسالة واتصال ، أوفتح كل رابط ومشاهدة كل المرفقات ، وكما أسلفت إن لم يكن لدي خطة واضحة وأولويات محددة فستكون حياتي وقفاً لمخططات الآخرين .

رابعاً: بالنسبة لأطفالنا فلا أعتقد أنه من الضروري إمتلاكهم لهذا الجهاز الخلاب ، وان كان بعضهم قد قرر تزويدهم به مع تحديد أوقات معينة لهم للعب به فإني أدرك حقاً آثاره الوخيمة عليهم لاسيما فيما يتعلق بتأثيره على الدماغ والمهارات ، ومما يزيد رغبة الأهل به للأسف أنه يسكن الفوضى العارمة والجلبة التي يسببها الأطفال ،فيمدونهم به من غير رأفة أو تفكرٍ لعواقب الأحوال ، والحل يكمن في شغل أواقاتهم وأن نشجع انضمامهم بكافة الانشطة والرياضة وتنمية المهارات، فهذا من شأنه أن يصرفهم عن الالتفات له، أو التعلق به ولنسدد ولنقارب متى استطعنا إلى ذلك سبيلا..

خامساً وأخيراً: إذا أردنا تغييراً جذرياً فعلينا بأنفسنا أولاً ، فكلما قللنا اصطحابه معنا في حلنا وترحالنا وقيامنا وقعودنا سيجعلنا ذلك نتحرر من قيوده وننطلق من براثنه ، ومن الممكن أيضاً التحكم في وضعه وصمته وهذه ميزة تجعلنا نتحكم بإغلاقه أو تسكينه حتى لا ننشغل به عن عظام الأمور والمهمات ، ولنستمد العون من المعين ولنرددها بمليء أفواهنا ( اللهم أعثنا من الإدمان )

Posted by: شيخة المطوع | 2015/02/21

الله يعز الديرة

كلمات نرددها دوماً عندما نقارن دولتنا ببعض الدول الأخرى عند زيارة عابرة ،أو مشاهدة لأحوالهم بسرعة خاطفة ، أو سماعٍ لأوضاعهم من مقيمٍ أو زائرة ..

نعم إننا نتمتع هنا بنعمٍ لا تعد ولا تحصى..
إذا قمت بزيارة للبلاد العربية فستجد في أغلبها قمعٌ للحرية ، وكبت للمهارات والإبداعات ، وتنكيلٌ بأهل الدين والالتزام ، وتمجيدٌ للرئيس وتقديس للزباينة ، يهتفون باسمائهم ليلاً نهاراً وقلوبهم تمقتهم وتدعوا عليهم سراً لا جهاراً…
لذلك عندما قامت الثورات واندلعت الحروب قاموا بكل ما اوتوا من عزمٍ وقوة يكيدون بهم وينتقمون من ماضهيم السحيق !!
في دولهم تختلف الطبقات الاجتماعية بين ثري فاحش الثراء وطبقة مخملية ، إلى طبقات معدمة لها أحوالٌ مزرية مرثية …
أما في بلادنا فالمحبة لحكامنا لاتفرض فرضاً بل تأتي رغبة وطوعاً ..
الحرية مكفولة والكل يدلي بدلوه ويعبر عن رأيه من غير تهديد بالابعاد أو الإضهاد ..
الأضداد متواجدة ، والفروقات تكاد لا تلحظ في حالة النجدة والإغاثة ..
الدولة بشكلٍ عام محافظة ،والمساجد عامرة، والمقبلين على الهداية والالتزام أعدادهم في زيادة ..
الطبقة المتوسطة هي الأغلبية ، وغالباً لا تشعر بالفروقات بين الطبقات المجتمعية، الكل متنعم حتى أصحاب الأحوال المادية المتدنية لهم أسواقهم ومشترياتهم وتفقد هذه الأمتيازات في عدة دولٍ عربية ..

في الدول الغربية قد تنبهر بالحضارة والتقدم والتقنية ، والالتزام بالوقت والعمل بجدية ، نعم هذا مايسجل لصالحهم ، ولكنك إذا تفحصت أحوالهم رأيت أن دولهم تنهكهم بالضرائب، وتثقل كواهلهم بغلاء المعيشة، فما يكسبونه غالباً مايتبدد ويذهب أدراج الرياح …

العلاقات مفككة ومضطربة ، المرأة مضطهدة ومستبعدة ، تغتصب وتضرب وتستغل لترضي شهواتهم وترضي مطالبهم …
وقد يؤدي بها الحال إلى أن تقتل أو تلقي بحياتها حتفاً من سوء ماتكابد!!
يضطرون في معظم أحوالهم لأن ينشأوا احتفالات ليتم التواصل وتقوية العلاقات ، فلا أسرة أو جيرة أو صحبة تقوم عندهم بتلك الاعتبارات، فهم يقضون حياتهم في وحدة مقفرة وكآبة مزمنة !
حدثنا أحد سائقي سيارة الأجرة في سويسرا (وهو من أصلٍ مغربي) قائلاً : هنا إذا مات أحدهم في منزله بالكاد يكتشف موته بعد شهر أو شهرين إذا عمت رائحته الأرجاء ، اتصل جيرانه ليخبروا رجال الأمن أن خطباً ما في الجوار…
قلنا له متسائلين : وأهله وخلانه وأصحابه ، قال العلاقات الودية شبهه معدومة وأكثر مايشدهم فينا نحن الجالية المسلمة هنا تواصنا وقد يشهرون إسلامهم رغبة في إحتوائهم …
ويحدثنا أحد أقاربنا الذي أكمل تعليمه في بريطانيا أن هناك إمرأة أصيبت بألمٍ حاد في بطنها وعندما أحست أنها أعراض ( الزائدة الدودية ) اتصلت بصديقتها المقربة جداً لتنقلها إلى المستشفى أجابتها بكل برود وعفوية :
( عفواً إنني أتابع مسلسلي المفضل)!!!!!
في حين أننا في بلادنا نرفل في النعيم ونتنعم بالخيرات …
تتفضل بلادنا مشكورة بدفع كافة الضرائب، وتوفر لنا حاجاتنا المعيشية بأسعارٍ معقولة ومناسبة، مما يضمن لنا العيش بعزة وكرامة.

وفي حين أنهم يعانون من التفكك والاضراب بالعلاقات تجدنا نتقن هذه الصنعة وندرك أبعادها النفسية فضلاً عن التعبدية …
الرحم معلقة بعرش الرحمن تقول من وصلني وصلته ومن قطعني قطعته ، و لايؤمن من لا يكرم جاره وضيفه ، وخيرنا من يحب لأخيه مايحبه لنفسه ، ومن يبدأ بالسلام ، ومن هو خيرٌ لأهله…
المرأة في مجتمعاتنا معززة مكرمة ، غير مضطرة للكد والعمل وإن عملت فأموالها من حقها وإن أنفقت فبمحض إرادتها …

حجابها يميزها ، وسترها يمنع عنها كل عين زائغة أو نفسٍ مريضة جامحة فهي منعمة في عفافها مزهوة بطهرها …

وإن تأخرنا عن ركب الحضارة المادية فإن لدينا مايميزنا ويجعلنا مفخرة للبشرية ، وإن طبقنا مايأمرنا به ديننا لتبؤنا المناصب، وأقبلت الدنيا إلينا خاضعة ذليلة كما انقادت لمن سبقونا بالايمان …

ومازال البعض ينتقد أوطاننا إنتقاداً مقيتاً لا ليصلح ،بل ليجرح ويقدح ويهبط الهمم ، و لسان حاله يقول:
هذا مما عمت به البلوى!
يلبس نظارته السوداية وينظر من خلالها نظرة تشاؤمية على أسلوبنا، وطريقة عيشنا، وعادتنا، وتقاليدنا، ويلقي على دولته ومحيطه وبيئته سبب تخاذله وتقهقره..
نعلم أننا مقصرون في كثير من الأمور ، ويلزمنا العديد للقيام بنهضة عالمية، ولكن المقارنات بيننا غالبا ماتكون مجحفة ننظر إلى ما يزينهم وننقب عن مايعيبنا …
كفانا إحباطاً ومحاولات متكررة لقتل الروح المعنوية لدينا فهذا أعز مانملك ..
سؤالٌ وجيه أرسله لكل ذي عقلٍ نزيه، قل لي بربك ماذا قدمت للأمة ؟ ماالجديد الذي أضفته؟ ومالصرح الذي بنيته ؟ ومالجيل الذي أنشأته؟
أم أن ثقافة الآخرين التي تستهويك تجعلك تحط من شأن بلدك، وتتهكم بانجازه ، وتعيب سياسته واقتصاده ، رأفة بنفسك فأنت من أهله وسكانه …
أما بالنسبة لي فإنني أينما حللت أو ارتحلت فإنني غالباً ما أردد ( الله يعز الديرة )

« Newer Posts - Older Posts »

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: