Posted by: شيخة المطوع | 2021/05/07

مدفوعةٌ بالأبواب


اتخذناها عادة سنوية أن نصحب أبناءنا مع مجموعة من زميلاتنا، ونذهب لزيارة المدينة النبوية، تلك المدينة التي تشع نوراً وسعةً وانشراحاً، و لا يكاد يختلف اثنان على أن من زارها وعزم على الرحيل، فإنه يقتلع نفسه اقتلاعاً ولاعجب ! فإن منبع النور هناك تحت القبة الخضراء والتي تضم تحتها جسد خير البرية…
ولأنها طاهرةٌ وبراقة ٌوندية، فإنها تنفي خبثها ولاتقبل إلا بأهل الطهر أن يقطنوها وينهلوا من أنوارها البهية…
وقبل عامنا المنصرم، وأحواله العجاف، ذهبنا بزيارة إلى تلك البقعة المباركة الزكية، وبعد أن أدينا مناسكنا وأردنا زيارة قبره عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام ، حددنا موعداً للزيارة قبيل منتصف الليل آملين أن تخف سورة المحبين وتهدأ عيون المشتاقين…
وإذا بالمكان يعج بالزائرات أمثالنا، أفواجٌ غفيرةٌ من كافة الأطياف ومختلف الجنسيات، كل واحدة قد اصطفت لتأخذ مكانها في عداد المحبين الذين يرنون للقرب، ويتوقون لبث الشوق….
أخذنا أماكننا بانتظار الإذن بالخول ، وقبل أن نسمع النداء، إذا بالنساء يتدافعن نحو باب من الأبواب…. فقمنا على عجلٍ ووجل، لابد أنه الباب المنشود ويؤكد ذلك كثرة الحشود…
مرت الدقائق تلو الدقائق … والباب مغلق والأمل معلق… المسؤولات يأمرننا بالصبر والانتظار ، وطابور النساء آخذٌ بالازدياد.. وتحولت الدقائق إلى ساعات…
التفت إلى صديقاتي لعلي أجد منهن تهاوناً وإذا بهن صامدات… تسارعت نبضات قلبي، و بدأ نفسي بالاضطراب… ومع تزايد التدافع كدت أفقد وعيي، تزامناً مع أعراض الوحام… فما كان مني إلا أن رفعت راية الاستسلام، وانسلخت من بين جمهور المتدافعين بالأبواب…
وإذا بزميلاتي يتبعنني حين غلبن على أمرهن أيضاً وفقدن الأمل حين تكاثف التيار …
جلسنا لبرهة من الزمن نلتقط أنفاسنا… ونندب حظنا … ونراجع أنفسنا وحساباتنا … وإذا بباب آخر تجري نحوه النساء …
قمنا مع من قام بغير وعيٍ منا، ونسينا ماقد جرى معنا…وتكرر المشهد وتكاثرت الأعداد..
ومن باب إلى باب … ومن سعي إلى سعي .. فتحت الأبواب، ورزقنا رب الأرباب بسجدات قبيل الشروق في الروضة الشريفة، وزيارة لقبره عليه الصلاة والسلام… ومن أدام الطرق فتح له..و كان حالنا حينها يغني عن كل مقام… ما سبب الاصرار والمضي إلى الأمام، مع كل ذلك الزحام والدفع بالأبواب…
ويأتينا الجواب بعده بعام عندما عزمنا أمرنا وحجزنا تذاكرنا لنعاود تلك الأيام… وإذا بالجائحة تبدد كل تلك الأحلام… ويغلق الحرم ، وتقفل كل تلك الأبواب ويتلاشى الزحام.
كنتُ مدفوعةً بالأبواب… فغُلقت في وجه العالم أجمع كل الأبواب وكل الممرات والنوافذ المؤدية إلى تلك البقاع..
تصدعت القلوب، وذرفت العيون، وفاضت القلوب بالأشواق… حنت النفوس لتلك المواضع.. مواضع السجود والركوع.. مواطن الصلاة والسلام على خير الأنام…
ماحدث وحصل فاق كل التوقعات… من كان يصدق أن توصد في وجه المعتمرين والطائفين والزائرين الركع السجد الأبواب؟؟؟
من كان يظن أن ينادى في المآذن أدوا صلاتكم في رحالكم… فقد أغلقت في وجه المصلين الأبواب…
كان سؤالي الحائر إزاء تلك الأحوال… ماذا اقترفنا كي توصد أمامنا الأبواب؟ ماذا جنينا؟ وأي ذنب فعلنا؟
حبسنا حابس الفيل سبحانه، كي نراجع أنفسنا ونجدد العهد والميثاق …
إلهي وسيدي ومولاي…
قد تصدعت قلوبنا… وفاض حنينا..
و لِمِثْلِ هذا يذوبُ القلبُ من كَمَدٍ…
إنْ كان فى القلبِ إسلامٌ وإيمانُ…
فلا تعاملنا بما نحن أهله وعاملنا بما أنت أهله… أنت أهل التقوى وأهل المغفرة ..
اشتقنا لرشفة من زمزم .. ولرؤية بيتك المعظم …
اشتقنا لسعي وطواف… ولجموعٌ تقدر بالآلاف ..
اشتقنا لتدافع الأبواب … ونحن ننتظر دورنا لبث الشوق والهيام…
اشتقنا لمنظر الصائمين وقد نصبت موائد الإفطار… والكل ينتظر أن يرفع الأذان ويدعو أن قد ابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله..
اشتقنا لدعوة خلف المقام من قلب مكلوم، وبث الشكوى والهموم لعلام الغيوب…

طفح كيل الوجد إلهي والحنين … وإن كان مدفوع الأبواب لو أقسم عليك لأبرك، فارزقنا اللهم سؤله،واكتبنا إلهي في عداد المصلين المخبتين… الطائفين المعتمرين… وارزقنا زيارة لسيد المرسلين … في أقرب وقت وحين.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: