Posted by: شيخة المطوع | 2019/01/27

مرحباً … هل أصبحتِ شيئاً؟

اتصل علي مسؤول المبيعات لإحدى شركات الاتصال، وبعد أن رحب بي قال: لقد اخترنا رقمك من بين آلاف الأرقام كونك عميلة قديمة ومميزة و…و … أخذ يتلو علي منظومته التي يرددها مع غالبية العملاء، والتي ُتلقن ويتدرب عليها كافة الموظفين لكسب العملاء وتحقيق الأرباح، ثم أردف قائلاً: لقد فزت بهدية قيمة وبلا مقابل، جهاز الآيفون الجديد والذي لم يكتسح بعد الأسواق، متوفر لدي بكل الألوان، وبكافة المواصفات، يكفي أن تختاري ليصلك مندوبنا في الحال، وبلا أي مقابل أو مال…

-أجبت على الفور: ممم حسناً شكراً لكني لا أحتاجه الآن، جهازي يعمل و بأفضل حال…

-ابتدرني قائلاً: سيدتي لعلك لم تفهمي قولي… أقول لك: مجاناً بدون مقابل ِأو مال …

-بلى فهمت جيداً ولا أحتاجه الآن ..

-صمت لبرهة مشدوهاً من الجواب، ثم قال: اسمحي سيدتي لفضولي: ولم لا ؟!

عرضٌ جذاب، وبلا تكلفة أو حساب، أنت أغرب من كلمته من العملاء!

فكري في كلامي مجدداً ولا تتسرعي في اتخاذ القرار ، وسأعاود الاتصال بك بعد أيام.

وبعد أن انتهيت من المحادثة أطرقت متأملة، عرض عرضاً ولم أقابله بالإيجاب ما الغرابة حقاً فيم قلت؟! هل كان متوقعاً من أن أطرب فرحاً ، وأشكره بحرارة وأمضي في اختيار الألوان التي أهواها والمواصفات، إن لي مطلق الحرية كإنسان أن أختار وأرفض ما أشاء…

وأعدت المحادثة بيني وبين نفسي وتخليته يقول: مرحباً سيدتي هل أصبحتِ شيئاً؟؟!لعلي أتحفك…. سأعرض عليك عرضاً وكونك مؤكداً ستقبلينه، فإن مندوبنا سيصلك الآن، واعذرني على الإطالة فإن لدي عملُ علي تأديته في الحال!!

الأصل في خلقتنا كبشر أننا مختلفون متباينون، لايمكننا قولبة سلوكياتنا وردود أفعالنا، لكنها تلك الأخلاق المدنية، النفعية، تجعل الإنسان كجهاز متوقع أداؤوه وعمله وفقاً لنوعية البيانات والمدخلات، لا يمكن أن يحدث خللاً أو برمجة مغايرة لغيره من الأجهزة والآلات…

وتزاد تلك الحالة سوءً في عالم البرمجة والرفاهية والكماليات، يظن الإنسان أنه يستطيع تطويع قدره، والكون المحيط به بلمسة من أنامله، يغضب ،يزمجر ، يثور، إذا لم يتحقق مراده، أو إن لم يكن ما حوله طوعاً لأمره…

حتى أخلاقيات المروؤة، والشهامة، والنخوة، والطيبة، والجود أصبحت مستغربة ومن يتملكها فكأنما يقتني شيئاً من التراث، وعليه أن يتراجع عنه و يستبدله بغيره، لأنه سيضيع، ويتحطم، ويقضى عليه في عالم الاستبداد والاستهلاك، وسيصبح عرضة للغش ،والوقيعة، والاستغلال…

عندما أتعرف على إحداهن، وأشيد بطيب خلق أبنائها، تقول لي كالمتحسرة: ولكني قلقة عليهن ووجلة، حياتنا اليوم أشبه بغابة فيها الوحوش الكاسرة، فإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، لطفهم، وطيب خلقهم لن ينفعهم، ليتني أستطيع تقويتهم و شحذهم، و الزج بهم في معترك الحياة!

حتى حينما ألقي درساً أشرح فيه خلقاً أو أبث فيه قيمة، شيئاً من قبس النبوة، أو هدي الصحبة، أرقب النظرات الساخرة، وكأني أتكلم عن المدينة الفاضلة، أو عن واقع افتراضي لا وجود له من الأساس..

ولعل من أجمل الأقلام التي كتبت عن صراع الأخلاق ما كتبه عبدالوهاب المسيري وهو يتحدث عن سيرته إذ يسميها (الأخلاق التعاقدية) ويقصد بها الأخلاق المادية والاستهلاكية، ( والأخلاق التراحمية) ويقصد فيها الأخلاق الأصيلة والقيم النبيلة .

أعجبني جداً تحليله لدرجة أني أعدت تلك الوريقات تكراراً ومرارًا، ولأني مولعة بالتحليل والتمثيل، صرت أحلل خلق كل من تعامل معي، وأحيلها عادة إلى البيئة التي نشأ فيها، أو الظروف التي حتمت عليه التعامل بتلك الأخلاق وأعذره وفقاً لذلك…

وعندما ألتقي بإحداهن وهي تحمل من الصفات والأخلاق التراحمية أتشبث بها، وأحس أنني أقتني كنزاً نادراً، أنبسط معها وأتحدث أحاديث مطولة، وأعجب بصدقها ،وجميل عفوها، وأطرب لكرم خلقها، و طيب أصلها…

أما عندما ألتقي بالنقيض أحس أننا في عالم محكوم، وأننا مسيرون، تأسرنا الصورة، وتحكمنا المادة، المشاعر منقبضة، الصدور ضيقة، ردود الفعل متشابهة، والأخلاق متوقعة خاصة حينما ترتبط بالمادة…

رفقاً دعونا نمثل أنفسنا، ونتخلق بأخلاقنا، ولا تحكموا علينا، أوتتنبؤوا بأحوالنا، نشتاق لإنسانيتنا ولا نطمح بأن نكون أشياء فارغة !


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: