Posted by: شيخة المطوع | 2017/12/06

مالم تقله أمي

بعد إنتهاء إحدى محاضراتي العامة
أقبلت مستمعة نجيبة أريبة إلى والدتي الجالسة في الصف الأمامي قائلة: بالله عليك أخبريني كيف ربيت ابنتك ووصلت بها إلى هذه الرتب، أفيدنا من خبرتك لنربي أبناءنا ونرقى بأجيالنا ؟! 

ردت أمي بعفوية متناهية، وتواضع منقطع النظير كحالها في أغلب المناسبات التي يوجه إليها مدح أو ينسب إليها معروف: إن ابنتي هذه نشأت بين دفتي الكتب، عاشت قارئة هاوية للعلم والتعلم، فأزعم أن الكتاب أدبها، وتلك المؤلفات من هذبها ! 

والحقيقة تذكر أني امتعضت من إجابة والدتي، وتمنيت لو أنها ذكرت وعددت أسالييها التربوية على الأقل فيما يتعلق بتوجيهي لحب الكتاب والتعلق به، وأضمرت في نفسي أمراً سأكتب مالم تقله أمي، وأنسب إليها كل الفضل لعلى أوفيها بعض حقها علي وإن كان ديناً صعب السداد . 

أمي الحبيبة :

هل تذكرين القصص التي اعتدت أن تقرأيها على مسامعي منذ نعومة أظفاري، أتذكرين تلك الروايات الموروثة الشعبية، والأخرى الخيالية التي بدأت من خلالها تتشكل مخيلتي وتتسع آفاقي، ودرجت على ذلك مع بقية إخوتي حتى إننا كنّا نلومك على رغبتك في سرد القصص لهم وقد بلغوا مبلغ الفتيان !

ولكِ أن تتخيلي أماه أنني أخطو خطوك الآن ومازلت أتدثر بدثار أبنائي وأروي لهم القصص وأحكي لهم الحكايات.

 أمي الغالية :

لعلك لا تعلمين أني كنت أباهي بك أقراني ،وأتفوق دوماً بالإجابة عليهن والسبب قصص الأنبياء،وقصص السيرة، وقصص القرآن التي قد سردتيها علينا في سن مبكرة حتى أنها حاكت شخصياتنا، ورسمت توجهاتنا، هل تصدقين أماه إني في إحدى المحاضرات الجامعية أجبت إجابة عجزت عنها البقية فسألتني صديقتي التي تقطن بجنبي أنى لك هذا قلت: هو من عند أمي! 

أمي الطيبة:

لعلك لاتنسين يوم الأربعاء الذي كانت تتم به العراكات بيني وبين إخوتي لأحصل على نسختي من مجلتي المفضلة ماجد، وكنت تقفين دوماً في صفي، وتؤجلين أعمالك الأكثر أهمية وأعمال إخوتي المستعجلة وترسلي السائق ليبحث لي على نسخة منها حيث كانت تنفذ بسهولة.

أبشري مازالت مجلداتها في مكتبتي وأطلع عليها بنياتي، فقد كانت بوابتي للمعرفة وأصبحت شاهداً على أخذك بيدي لولوجها! 

أمي الحنونة : أتذكرين حينما كنت أطرق بابك في الليل أستجدي بك وأشتكي الأرق، فترشديني إلى القراءة وتقولين إنها علاج فعال فبمجرد شروعك فيها سيغالب الكرى مقلتيك وتحققي بغيتك…

هل تعلمين أمي أني ما زلت أستخدم وصفتك هذه، وأني قد ختمت بفضلها الأجزاء والكتب والكراريس ، ولا أخفيك سراً أنها قد تأتي بالنتائج العكسية في أغلب الأحيان وأكمل ليلتي في صحبة كتاب !

هل تذكرين أماه حين تولعت بالشعر والأدب، وكيف كنت تغذينني بكتب العشماوي وتمديني أنت ووالدي بها، حتى إني حين قمت بإجراء عملية جراحية هرعت إلى أقرب مكتبة واشتريت لي كتاباً يحتوي بعضاً من الأشعار وقلت لي إقرأي هذه الأبيات ولاشك أنك ستتشافين بها، ولا زالت أدندن بها : 

مالي وللنجم يرعاني وأرعاه

أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه….

هل تذكرين أماه حين كنت أحصل على المراتب الأولى في مسابقات إلقاء الشعر، كم كنت تفخرين بي أمام الملأ وتطلبين مني أن ألقي عليهم قصائدي، وكم كانت تمتلك النشوة والعزة وأنت تدللين علي في كل مجلس: انظروا هذه ابنتي!

وكم تمنيت أن  تتمينها بقولك إنها حصاد يدي!
 أمي الحبيبة إن غدوت قارئة فأنت من غرست فيّ حب المعرفة، وأنت أول من شكل عقلي، و أطلق يراعي، و أعد لي جمهوراً ليسمعني..

ولعلك ومثيلاتك أمي من ألهم هبة بن حمادة أن تقول “لا تشتري للطفل هدية لأن الزمن سيصنع منها خردة ، قصَّ عليه قصّة فالزمن يصنع منها ذكرى سعيدة”. .


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: