بين المثالية والواقعية 

 

تلك الفلسفات الغربية التي نشأت في ظل ظروف معينة، جعلت العالم ينتقل من حال إلى حال آخر في تصويره للحياة والأحياء، وانتقلت تلك الفلسفات من مجرد نظريات تجريدية ليمثلها الأدب، والفن ، والفكر في تلك الحقبة الزمنية …

أخذت أتأمل وأنا أقرأ عنها- بغض النظر- عن مضمونها ومحتواها- كيف لنا أن نفعل المثال في حياتنا دون أن نهمل الواقع أو نقلل من شأنه ؟ !

وكان هذا السؤال بوابة لوابل من الأسئلة التي تتابعت على ذهني بلا هوادة ….

هل يدعو ديننا إلى الواقعية أم المثالية ؟ 

بمعنى آخر هل هو واقعي في طرحه ومضمونه ؟ أم أنه يجنح إلى المثال والكمال؟

وإن كانت الواقعية هي سمته ووجهته فإنه في الوقت نفسه محاط بتشريعات أخلاقية وعبادية تجعل الإنسان في مصاف الملائكة الأبرار!! 

هل نحن مطالبون بالمثال في حياتنا وتوجهاتناواختياراتا، أم أن الواقع كثيراً مايحدد ذلك ؟ 

هل الارتقاء الحضاري يتطلب منا تفعيل دور المثال والحث على الأخذ به، أم أن التماشي مع الواقع خطوة لابد منها في سبيل الرقي والإرتقاء؟! 

وغيرها من الأسئلة التي جعلتني أتنقل بين الأحداث والمواقف، وبين مناهج التعليم، والمحاضن التربوية، وبين الكتب التي عشت بين دفتيها حيناً من الزمن..  

كان الأغلب على طرحها التنديد بالواقع المر، والدعوة إلى نبذه وتركه، والتمسك بالمثاليات، والشخصيات النموذجية، والعمل على تهذيب النفس وكمالها،فإنه السبيل الأمثل للرقي والوصول …

ولا شك أن هذا الطرح أثمر في جوانب عدة، ولكن كان عليه مؤاخذات أيضاً،

فالخطأ الجبلي البشري أخذ يعظم في عيني ولا أسامح نفسي فضلاً عن مسامحة غيرى، وأخذت أرنو إلى حياة مثالية لا أجد لها واقعاًإلا في ذهني ، وبدأت أعتزل من حولي لاسيما في أيام شبابي، أأنف من أي فعلٍ مخالف للمثال ولا أتقبل بحالٍ صاحبه، وهذا ماجعلني أنبذه بدلاً من دعوته والأخذ بيده والنهوض بحاله، ودرجت على هذا النحو حيناً من الزمن إلى أن وهبني الله الذرية ،وحينما بدأت بتفعيل القواعد المثالية معهم مع عدم مراعاة واقع ضعفهم ،وجهلهم، وقلة حيلتهم، خبت وخابت وسائلي التربوية، تعلمت الكثير من خلال معايشة تلك الهفوات والنزوات البشرية التي تحتاج من يتقبلها بداية ،ومن ثم يهذبها ويأخذ بيدها، حتى بت أهذب نفسي من جديد…

رأيت عيوبي وهي متمثلة هنا في تلك الأجساد الغضة البرئية، شاهدت تمردي وعنادي، وجدلي اللامتناهي، وتكاسلي عن أداء مهامي، ورأيت نفسي وهي تنهاهم عن كل ذلك ،وتلتمس لذاتها العذر وتجد لها منطقاً واهياً يزينه لها الهوى والشيطان … 

 .. إيه لتلك النفس كيف ترى أنها في مدارج السالكين، والحق أنها في خضم المذنبين المقصرين …  

وبعد جولتي القصيرة مع ذاتي، وتطبيق الواقع والمثال في حياتي ، جال بخاطري حال الأمة الراهن وأخذت أرى المعالجات المختلفة للجماعات ،والأحزاب الدينية والفكرية ،والتربوية، من مستسلم للواقع ماثلٍ له، ومن نابذٍ له غير معتدٍ به، وعلى إثر تلك الأفكار تُؤسس الأجيال، وتُصاغ العقول، ونتائجها باتت مؤشرة بالهلاك القريب …

ولما أخذ إلحاح الأسئلة مني مأخذه هرعت إلى القرآن والسنة أستنطق مضامينها لعلي أجد في معالجتهما مايشفي غليلي، ويسكن ثورة نفسي ، ووجدت أمراً عجباً :إن الأمر أشبه بمعادلة رياضية سهلة يسيرة ، ولكن الأخذ بها يحتاج إلى سعة فهم ،ورؤية شمولية ، وجهود متتابعة ابتداءً من الفرد وانتهاء بالأمة … 

وجدت الإقرار بواقعية الإنسان لدرجة أنه إن لم يقترف ذنباً وقصر، فسيستبدل بمن يفعل،ويستغفر فيغفر له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم و لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم”(رواه مسلم)

ووجدت المثالية متمثلة هناك في القرون الأولى ، والتي أتت تبعاً لمن أقر ابتداء بواقعيتها، ومن ثم ارتقى بها مدارج الكمال …

إذن فالمعادلة الربانية تقول :

الواقعية +المثالية = الإرتقاء بالأمة والبشرية .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: