Posted by: شيخة المطوع | 2020/06/16

كل أحدٍ أفقه من عمر

لغة الأرقام دوماً محيرة، ولغز الأعداد يدعوك للدهشة …

نظن نحن البشر أن كثرة الأعداد مقياسٌ للقبول، ورمزٌ للقوة والمنعة، ودليلٌ على التفوق والتميز، وأصبحت ظنوننا قناعات ومسلمات، ونحن نرى الأغلبية تتجه لتلك الحسابات..

قيمتك تتحدد من عدد الأموال التي تملكها، وعدد المركبات الفارهة التي تركبها، و كمية العلامات التجارية التي تقتنيها..

شهرتك تظهر من أعداد متابعيك…

وكمية معجبيك… والإعجابات التي تتكدس بها صفحاتك هي التي تحدد مستواك ومكانتك العلمية والمجتمعية…

ويعدد بعضهم زوجه رجاء زيادة المتعة، ووفرة اللذة…

ويكاثر نسله بحجة أن لهم فخراً وعزة …

ويضارب ماله، ويشتت أحياناً نفسه بهدف تعدد نقده…

ويكثر من أجهزته ويجعلها حوله، ويحملها في ترحاله وحله، لتشعره بنشوة التحكم، وتزيد من رفاهيته وتنوع وسائل صلته..

ويعدد صداقاته، وينوع علاقاته، لأنه يؤمن أن الزيادة في العلاقة سمعة ورفعة بل والجمهور الكبير يجعله غارقاً في النشوة…

وتمضي الأيام سراعاً وهمنا زيادة الأعداد، وكثرة الأولاد، وتوالد الأرقام ، ونكتشف في خضم سعينا ولهثنا أننا نلهث خلف سراب، ولذلك جاءت آيات القرآن لتخفف من سعينا، وترينا الحقيقة الغائبة عن ناظرينا ” ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر “…

وللقرآن في ميزان الأرقام وتعداد الحسابات شأنٌ آخر، فقد مدح القلة ورجحها على الكثرة.. وهاكم بعض الأمثلة :

•موازين النجاح والتفوق والغلبة ليست بكثرة العدد، وعدد المشركين في أغلب الغزوات والحروب، يفوق عدد المسلمين ويضاعفها بأضعاف كثيرة، ولكن مقياس الحق يكيل للبركة في مقابل الكثرة…

“كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً”

•ويوم حنين إذ اغتر المسلمون بأعدادهم وصاحوا بملء أفواههم ” لن نهزم اليوم من قلة”

جاءتهم الآيات لتهذب أفهامهم، وتحط من قيمة الأعداد التي لا تشكل أي وزن أو قيمة، بل قد تكون انسحاب وهزيمة …

وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا

ولأن المميزين دوماً قلة، لم تغفل الآيات على التنبيه لسلك مسلك الندرة، وعدم الالتفات للكثرة التي لا تعد عند الله شيئاً

وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ

“وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ”

وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ

وكذلك عندما حذر رسول الله صلى لله عليه وسلم،من تكالب الأمم علينا خشي الصحابة أن يكون السبب قلة المسلمين وبالتالي ضعفهم وقلة حيلتهم، فجاء الجواب صادماً، جاعلاً الأرقام تتهافت أمام المضامين..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ”

أخرجه أبو داود

وهذا يجعلنا نؤمن يقيناً أن الكثرة قد لاتعدل عند الله جناح بعوضة…

وأن البركة في المال، والولد،والصحب والنسب، قد تعدل عند الله وزن جبل أحد…

و لذلك عندما سمع سيدنا عمر رجلا ، يقول : اللهم اجعلني من الأقلين ، فقال : يا عبد الله وما الأقلون ، قال : سمعت الله ، يقول : { وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ }، { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} وذكر آيات آخر ، فقال عمر : كل أحد أفقه من عمر

Posted by: شيخة المطوع | 2021/05/07

مدفوعةٌ بالأبواب


اتخذناها عادة سنوية أن نصحب أبناءنا مع مجموعة من زميلاتنا، ونذهب لزيارة المدينة النبوية، تلك المدينة التي تشع نوراً وسعةً وانشراحاً، و لا يكاد يختلف اثنان على أن من زارها وعزم على الرحيل، فإنه يقتلع نفسه اقتلاعاً ولاعجب ! فإن منبع النور هناك تحت القبة الخضراء والتي تضم تحتها جسد خير البرية…
ولأنها طاهرةٌ وبراقة ٌوندية، فإنها تنفي خبثها ولاتقبل إلا بأهل الطهر أن يقطنوها وينهلوا من أنوارها البهية…
وقبل عامنا المنصرم، وأحواله العجاف، ذهبنا بزيارة إلى تلك البقعة المباركة الزكية، وبعد أن أدينا مناسكنا وأردنا زيارة قبره عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام ، حددنا موعداً للزيارة قبيل منتصف الليل آملين أن تخف سورة المحبين وتهدأ عيون المشتاقين…
وإذا بالمكان يعج بالزائرات أمثالنا، أفواجٌ غفيرةٌ من كافة الأطياف ومختلف الجنسيات، كل واحدة قد اصطفت لتأخذ مكانها في عداد المحبين الذين يرنون للقرب، ويتوقون لبث الشوق….
أخذنا أماكننا بانتظار الإذن بالخول ، وقبل أن نسمع النداء، إذا بالنساء يتدافعن نحو باب من الأبواب…. فقمنا على عجلٍ ووجل، لابد أنه الباب المنشود ويؤكد ذلك كثرة الحشود…
مرت الدقائق تلو الدقائق … والباب مغلق والأمل معلق… المسؤولات يأمرننا بالصبر والانتظار ، وطابور النساء آخذٌ بالازدياد.. وتحولت الدقائق إلى ساعات…
التفت إلى صديقاتي لعلي أجد منهن تهاوناً وإذا بهن صامدات… تسارعت نبضات قلبي، و بدأ نفسي بالاضطراب… ومع تزايد التدافع كدت أفقد وعيي، تزامناً مع أعراض الوحام… فما كان مني إلا أن رفعت راية الاستسلام، وانسلخت من بين جمهور المتدافعين بالأبواب…
وإذا بزميلاتي يتبعنني حين غلبن على أمرهن أيضاً وفقدن الأمل حين تكاثف التيار …
جلسنا لبرهة من الزمن نلتقط أنفاسنا… ونندب حظنا … ونراجع أنفسنا وحساباتنا … وإذا بباب آخر تجري نحوه النساء …
قمنا مع من قام بغير وعيٍ منا، ونسينا ماقد جرى معنا…وتكرر المشهد وتكاثرت الأعداد..
ومن باب إلى باب … ومن سعي إلى سعي .. فتحت الأبواب، ورزقنا رب الأرباب بسجدات قبيل الشروق في الروضة الشريفة، وزيارة لقبره عليه الصلاة والسلام… ومن أدام الطرق فتح له..و كان حالنا حينها يغني عن كل مقام… ما سبب الاصرار والمضي إلى الأمام، مع كل ذلك الزحام والدفع بالأبواب…
ويأتينا الجواب بعده بعام عندما عزمنا أمرنا وحجزنا تذاكرنا لنعاود تلك الأيام… وإذا بالجائحة تبدد كل تلك الأحلام… ويغلق الحرم ، وتقفل كل تلك الأبواب ويتلاشى الزحام.
كنتُ مدفوعةً بالأبواب… فغُلقت في وجه العالم أجمع كل الأبواب وكل الممرات والنوافذ المؤدية إلى تلك البقاع..
تصدعت القلوب، وذرفت العيون، وفاضت القلوب بالأشواق… حنت النفوس لتلك المواضع.. مواضع السجود والركوع.. مواطن الصلاة والسلام على خير الأنام…
ماحدث وحصل فاق كل التوقعات… من كان يصدق أن توصد في وجه المعتمرين والطائفين والزائرين الركع السجد الأبواب؟؟؟
من كان يظن أن ينادى في المآذن أدوا صلاتكم في رحالكم… فقد أغلقت في وجه المصلين الأبواب…
كان سؤالي الحائر إزاء تلك الأحوال… ماذا اقترفنا كي توصد أمامنا الأبواب؟ ماذا جنينا؟ وأي ذنب فعلنا؟
حبسنا حابس الفيل سبحانه، كي نراجع أنفسنا ونجدد العهد والميثاق …
إلهي وسيدي ومولاي…
قد تصدعت قلوبنا… وفاض حنينا..
و لِمِثْلِ هذا يذوبُ القلبُ من كَمَدٍ…
إنْ كان فى القلبِ إسلامٌ وإيمانُ…
فلا تعاملنا بما نحن أهله وعاملنا بما أنت أهله… أنت أهل التقوى وأهل المغفرة ..
اشتقنا لرشفة من زمزم .. ولرؤية بيتك المعظم …
اشتقنا لسعي وطواف… ولجموعٌ تقدر بالآلاف ..
اشتقنا لتدافع الأبواب … ونحن ننتظر دورنا لبث الشوق والهيام…
اشتقنا لمنظر الصائمين وقد نصبت موائد الإفطار… والكل ينتظر أن يرفع الأذان ويدعو أن قد ابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله..
اشتقنا لدعوة خلف المقام من قلب مكلوم، وبث الشكوى والهموم لعلام الغيوب…

طفح كيل الوجد إلهي والحنين … وإن كان مدفوع الأبواب لو أقسم عليك لأبرك، فارزقنا اللهم سؤله،واكتبنا إلهي في عداد المصلين المخبتين… الطائفين المعتمرين… وارزقنا زيارة لسيد المرسلين … في أقرب وقت وحين.

Posted by: شيخة المطوع | 2021/02/27

بلادكم حلوة

كثيراً ما كنت أتساءل في صغري عن السبب الكامن وراء تعلق الشعراء والأدباء بأوطانهم التي نشأوا فيها، وكم كان يدهشني تغزلهم بمرابع الطفولة ومراتع الصبا، ومن البلدان من زرتها لشدة تأثري بما كتب عنها فوجدتها عادية جداً لاتعدو أن تكون خيالاً رسموه في أذهانهم ، فطاب لهم المقام فيه والتعلق به ، وكنت أخمن الأسباب، وأحلل الأقوال لعلي أظفر بأسرار التعلق والهيام ….وكنت أغيب عن وطني بين الفنية والأخرى في رحلات قصيرة بغرض السياحة، فلا أجد في نفسي ما يتحدثون عنه من حب للأوطان والتعلق بها، حتى أني كنت أشك في وطنيتي وولائي…بيد أني وانا في سن التاسعة إبان الغزو العراقي للكويت، أحسست بالحنين الى وطني ولكني لصغر سني لم أدرك هذه المشاعر ، أو أعقل معاني التغرب ولوعة الفراق …
وحينما اضطررت لأن أتغرب عن وطني لأطلب العلم ، إذ بي أفجأ بمكنون المشاعر والحنين لأرضي وموطني … ألهج بإسمه صباح مساء ، وأردد مع أبنائي الأهازيج الوطنية والأغاني الشعبية ، ونعد الأيام والليالي لنعود إلى أوكارنا ،ومنازلنا، وإلى أهلنا وأحبابنا … اشتقت إلى حرها ولهيب أشعتها الذي طالما تبرمت منه ، اشتقت إلى رخائها وطيب معيشتها ، اشتقت إلى سعة قلوب أهلها ، اشتقت إلى انبساط أرضها وزرقة بحرها، اشتقت إلى قلوب احتوتني ، وعقول ناقشتني ، وأيدي دعمتني وأنهضتني ،وصححت مساري ، اشتقت إلى من يطرق بابي من أهلي وجيراني ، إلى من يسأل عني في حلي وترحالي … عرفت لوعة المغتربين عن أوطانهم ، والمهاجرين رغماً عنهم الفارين من قسوة أنظمة ، أو جور حكام ، أو طلباً للرزق ، وسعة معيشة …صحيح أننا عندما نسافر ونتغرب في طلب العلا نتعلم الكثير ، ونتعرف على ثقافات وشعوب ، ونوسع من مداركنا ومعارفنا، ولكن حنين المرء أبداً لأول منزل ، ولايغني بلد عن بلد المرء وموطنه …و من أجمل من جسد حب الأوطان، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين ودع مكة قائلاً “أَمَا وَاللَّهِ لأَخْرُجُ مِنْكِ ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكِ أَحَبُّ بِلادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَأَكْرَمُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَوْلا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ “
كتبت كلماتي هذه في غربتي وأنا أعد العدة للعودة إلى بلادي، وعلى وقع ترديد أبنائي لتلك الكلمات وهم يودعون أيام غربتهم : بلادكم حلوة.. بلادكم حلوة..بس الوطن ماله مثيل.. لو إحنا سافرنا الشوق يرجعنا حب الوطن غالي والعيشة في جنة..

Posted by: شيخة المطوع | 2021/01/02

سنودع الكمام …

وانقضى عامنا بحلوه ومره …بحجره وحظره …. بهدوئه وعزله … وبقرب البعض وبعده..
كان عاماً مختلفاً بكل المقاييس!!
غريباً على كافة الأصعدة…
لكنه مضى وانطوى ومضت أيامنا برفقته …
وكذلك سنن الله تمضي في البشر…
تأتي لتختبرنا وتمتحننا وتخبرنا بأننا ضعافٌ مهما تقاوينا، عاجزين مهما تقدمنا، صغارٌ مهما تعالينا…
لن أسرد عجائب هذه المحنة المغلفة بالمنح…. فقلوبكم مملوءة بقصص شتى تحكي واقعاً حلواً عاشته في ظل ظروف استثنائية غير طبيعية…
لكننا أثبتنا لأنفسنا ولغيرنا أننا قادرون على المضي قدماً … وهبنا المولى قدرة فذة على التأقلم، ومهارة عجيبة على الصمود…
على الرغم من إخفاقات البعض، وتعثر الآخر، إلا أن النادر لا حكم له … ومضت الأقدار … تحمل في طياتها الكثير من الأسرار…
تكشفت معادننا ، أخرجنا مافي جعبنا ، تفتقت إبداعاتنا، تحررنا من شهواتنا، انتصرنا على أهوائنا، تخلينا عن الكثير الذي ظننا
يوماً ما أننا لن نحيا بدونه … وواجهنا أعذارنا والتقينا بأوقاتنا التي دوماً ما تذرعنا بها عن إنجاز مهامنا…
مرحباً بالسنة القادمة الجديدة، طالما أن الله مسيرك ومجريك، فلن تأتي إلا بخير، وإن سعد الناس وفرحوا،وأحسوا بقرب الفرج لظهور اللقاح، فإننا ولله الحمد قد أخذنا جرعتنا النفسية وتحصنا بالله وحده ضد المصائب والهزائم، وضد الخسائر والمخاوف المادية ..
في الأيام القادمة سنودع إن شاء الله الكمام، وسنلتقي مجدداً بالأنام ،ولن تكف أذهاننا عن تذكر تلك الأيام وسنذكر مرورها كأنها أحلام، يكفي أنها أخرجتنا من بئر الأوهام، وجعلتنا ننفض عن أنفسنا الركام…
مرحباً مجدداً بكل الأيام ،و مادمنا في جنب الله فلن نضام.

Posted by: شيخة المطوع | 2020/07/18

ثم تولى إلى الظل

حين تتولى إلى الظل في وقت الحاجة والفاقة فتلك بطولة…

حين تجعل لك خبيئة عمل بينك وبين الله وأنت غريبٌ كسيف فتلك شهامة…

حين تتنحى عن التدليل على نفسك أو الإشادة بقدراتك فاعلم أنك عملةٌ نادرة….

حين تعمل وتبذل ولاتنتظر الشكر ولا الجزاء… فاعلم أنك مليء …

البطولة والشهامة والندرة والملاءة تمثلت في موقف سيدنا موسى حين تولى إلى الظل في عز حاجته للأضواء والبهرجة والإشادة… بل يكفي أن يبرز للملأ ويعِّرف بجميل صنيعه ليسد جوعته، و يبحث له عن مأوى…

العطاء من غير انتظار مقابل فنٌ عصيٌ لا يتقنه إلا المخلصون الصادقون “إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ” ….

لذلك عندما تنحى سيدنا موسى عن الشكر والعرفان ، و ألجأ ظهره لمن لا يعجزه شيء في الأرض والسماوات، وشكى إليه ضعفه وحاجته، جاءته الإجابة على طبق من ذهب:

١-زوجة صالحة.

٢-عقد عمل لمدة عشر سنوات.

٣-شراكة نبوية مضمونة النتائج.

٤- اصطفاء رباني ليصبح عليه السلام كليمه وصفيه.

كم نطمح لتسليط الأضواء علينا، ونبحث عمن يشيد بنا ويثمن إنجارنا، كم نترقب تصفيق الجماهير، وتقدير المشاهير، وننسى في خضم هذه الرغبات… أن فيء الظلال يورثنا راحة البال، وصفاء الحال، وإخلاص الأعمال، وأن الجزاء لا يكال بمكيال، كيف والمجازي ذو الكمال والجلال والجمال…

وعودة على ذيء بدء أقول:

أن تتولى إلى الظل في زمن الأضواء والصور فتلك بطولة..

أن تكون أعمالك مغمورة في زمن الرويبضة والشهرة فتلك شهامة..

أن تتنحى إلى فيء الظلال مع القدرة على التدليل والإشهار فأنت عملة نادرة…

Posted by: شيخة المطوع | 2020/05/22

ادخلوا مساكنكم

نملة ٌفطنة أحست بالخطر فنادت قومها أن هلموا إلى مساكنكم .🐜

قد يحطمنكم سليمان وجنوده ويضيع بين الأقدام حطامكم 🐜

فتبسم سليمان من قولها معجباً بحنكتها🐜

وخلّد المولى قصتها رغم صغر حجمها وقلة حيلتها🐜

ولحسن تدبيرها وحكمتها سميت سورة بالقرآن باسمها🐜

نملة أنقذت عشيرتها باحتمائها بمنزلها واللجوء إلى مسكنها الذي هو ملاذٌ و أمن، وحصنٌ وركن، نلجأ إليه حين الشدائد والمحن، ونحن إليه إن عصف بنا الزمن…

تمثلت لي قصة هذه النملة حين ناشدنا الأطباء والمسؤولون أن نمكث في بيوتنا..

ونتقي الأخطار بملازمة مساكننا… وأن نؤدي مناسكنا في رحالنا…

وقلت في قرارة نفسي : مستعمرة نملٍ أفطن من جموعٍ من البشر…

لزم النمل مساكنهم فنجوا من أخطارٍ محدقة بهم..

وتمرد البشر وتحايلوا، وتخففوا من الالتزام وأبوا أن ينصاعوا … فأتت النتائج مخيبة.. وأصبحت الحسرة مسيطرة… وتم تشديد الحجر علينا…

ورب ضارة نافعة…

عندما سنذكر رمضاننا هذا سنذكر طعمه ومذاقه المميز… سنذكر هدوئه ورونقه..

سنذكر خلوه من المشغلات والملهيات، وتحرره من السهرات والزيارات..

سنذكر نقاوة قلوبنا .. وسلامة ألسنتنا..

سنذكر تعاضدنا .. ومؤازتنا لبعضنا…

سنذكر تفقد جيراننا… وسؤال أحبتنا…

سنذكر المكالمات عن بعد التي لا تنقل لهيب شوقنا … ولكنها تخفف من عبء تصدع قلوبنا لفراق أحبتنا💔

سنذكر المحاضرات والروابط التي فاضت بها أجهزتنا… فلقد توقفت أغلب الوظائف والمهام … وظلت مهمة أنبيائنا ورسلنا مبشرة ومثبتة لأفئدتنا…

سنذكر كذلك أبناءنا وهلم يتلقون تعليمهم في عقر دارهم … مهما ضج العالم، وضُربت السياسة ، وتزعزع الاقتصاد.. فالعلم فريضة تتحدى المآزق وتنفذ للعقول والأفهام… فكن عالماً أو متعلماً ولا تكن الثالثة فتضيع بين الركام…

سنذكر الساعة التي تنفسنا فيها الصعداء، ونحن نمشي بين الأزقة والأروقة ،ونحمد الله أن رزقنا نعمة التعرض للأشعة، والتنزهه تحت أديم السماء ..

سنذكر حين اجتمعت الأسرة تحت سقفٍ واحدٍ في الصلاة والقيام ، حين غدا كل الآباء والأبناء أئمة، وغدت البيوت مساجد صادحة بالقرآن ومرددة ..

سنذكر دعائنا أن يرفع الله البلاء والوباء، وتضرعنا أن نعود لسابق عهدنا ..

عفواً تذكرت … لم تنته تأملاتي من قصة نملة سليمان🐜

فكما تعلمنا منها القرار في مساكننا سنتعلم منها كيفية الإلحاح في أدعيتنا عسى الله يكشف ما بنا…

فقد أثر عن سيدنا سليمان أنه خَرَجَ ليَسْتَسْقِي بِالنّاسِ فَمَرَّ عَلى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلى قَفاها رافِعَةٍ قَوائِمَها إلى السَّماءِ وهي تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ لَيْسَ بِنا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ فَإمّا أنْ تَسْقِيَنا أوْ تُهْلِكَنا قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنّاسِ ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ…

Posted by: شيخة المطوع | 2020/03/04

شكراً كورونا

في مطلع ٢٠٢٠ هاج العالم وماج، ودب الرعب والذعر في مختلف القارات، فيروس صغيرٌ فتاك لا يرى بالعين المجردة وينتقل بسرعة البرق نشأ بالصين، وأخذ مجراه مع الخارجين منها أو الداخلين، أخذت الدول منه تحتاط، وتبالغ بالاحتراز ، والوقاية خيرُ من العلاج.. وتناقلت أخباره وسائل التواصل والإعلام، نفذت الكمامات والمعقمات، تعطلت المدراس وتوقفت الأنشطة وخفت التجمعات ، والكل باله مشغول، من أن يفتك به المرض أو يصيبه مكروه….

وإني لما تأملت ما حل وحصل أحببت أن أشكر الله الذي يحمد على بلائه كما يحمد على نعمائه، ورأيت أن أريكم ما أرى من المنح التي تتولد في رحم المحن، لذلك قررت أن أعلن شكري على الملأ….

▪شكراً كورونا …. فلقد نشأت في زمن الأجهزة الذكية، والمعلومات الرقمية، والثورة التكنولوجية في زمن تديره بلمسة يديك، وتحركه بهمسة من شفتيك، وراح فيه الإنسان يطغى عندما ظن نفسه استغنى… فراح يزهو بقوته وجبروته، ويتفاخر بعدته ومتاعه، وظن أنه المسبب والسبب، وأخذ يدنن بأطروحات فلسفية، وأن الكون مستغنٍ عن رب البرية…

فجاءه الجواب من رب الأرباب الذي لايعلم جنوده إلاهو…

امتحان بمخلوق غير مرئي يغزو العالم ويفتك في وقت قياسي، فأين خبرتك أيها الإنسان ؟؟ وأين قدرتك أمام العزيز الجبار؟؟؟ مهما تعاظمت ستتصاغر أمام مالك الملك الذي بيده حياتك ومماتك، نجاتك وهلاكك...

شكراً كورونا لأنك وضحت هذا اللبس وأزلت الغشاوة عمن في نفسه ذرة حس ….

▪شكراً كورونا فقد أكدت حقيقة هلع الإنسان، يجزع ويهلع لأي خطبٍ أو حدث، وتراه يتخذ كافة الاحتياطات، ويصدق الإشاعات، وتزداد ضربات قلبه مع ازدياد الحالات، ومع تأكيد الأطباء عدم خطورة المرض وقلة نسبة الوفيات، إلا أنه مناطٌ بضعفه، لذلك عليه في خضم هذا الهلع اللجوء لرب السماوات، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن جمع لك الناس الجموع فتوكل عليه وستنقلب بفضلٍ منه ومنة، ولن يمسسك السوء بإذنه.

▪شكراً كورونا … فقد أجبرت الناس على الجلوس في بيتها،و الاختلاء بنفسها، وقلة مخالطة عامة الناس التي في الغالب تكدر الفؤاد، وتذهب بصفو الإنسان، فكم نحتاج إلى أن نقر في بيوتنا، وأن نرتب فوضى نفوسنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا، و أن نجلس فيه مع أبنائنا، لذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفر في زمن الفتن قال” وليسعك بيتك وابكِ على خطيئتك” فكم من بيتٍ فسيح يضيق على أهله و يضجرون من الجلوس فيه،وكم من منزلٍ يتسع لأهله ويأنسون به رغم صغر حجمه وتهالك جدرانه…

شكراً كرونا فلقد أوصلت للناس رسالة : في وقت الفتن والابتلاءات والمحن لن تجد سوى أهلك وعائلتك ملاذاً لك وسكن..

▪شكراً كورونا … فلقد أنبأتنا بما لم يخفَ علينا ،اللعبة الإعلامية، والفبركة الرقمية، والمبالغات الوهمية، وهي مانسميها الحرب الناعمة السياسية ، التي تفتك بنفسيتك، وتودي بروحك المعنوية، وترفع أقواماً وتضع آخرين، وقد تكون تسويقاً لمنتج، أو تصريفاً لعقار، وينساق العموم غالباً مع التيار ، من غير تثبتٍ أو حتى تنقيحٍ واختيار…. كن مع الله ولا تجزع من تلك الأخبار، فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين…

▪شكراً كورونا… فلقد كشفت كذب الناس وادعاءاتهم عندما كانوا يشنون حملات ضد النقاب، وتمنع لبسه بعض الدول ويزيحون عن وجه المرتديات اللثام، وكل ذلك بحجة عدم معرفة الهوية، وأنهن يهددن الأمن العام، وأن مرتديات النقاب، يبثون الرعب في الناس…

وبعد أن انتشرت أيها الكورونا انتقب الرجال والنساء، الصغار والكبار😷، ولم يطلب من أحدهم نزعه أو خلعه، لاسميا في المطارات وفي أماكن الزحام ، ومع تأكيد الأطباء أن لبسه يكون للمريض نفسه أو لمن خالطه من ذويه وأهله، إلا أنك تراهم يرتدونه وإن كان أحدهم لوحده.. ولم نسمع عن مخالفات ضده لأن قواعد السلامة تستدعي لبسه خوفاً من انتشار الأمراض…

وكيف للمرأة أن تحمي نفسها من مرضى النفوس، وتخفي جمالها عمن لا يحق له أن يتأمل ملامحها…

والسؤال الذي دار بخلدي وأنا أرى جموع المتنقبين والمتنقبات بالكمامات ؟؟؟

لماذا لم يشتكِ أحدهم من عدم قدرته على التنفس أو حاجته لأن يزيح الكمام عن وجهه لينعم ببعض الحرية، ويستنشق نقاوة الهواء؟؟؟!

لن أطالبك بتوضيح أيها الكورونا … فالمسألة واضحة وضوح الشمس، عندما تطغى الماديات على البشر، تتلاشى كل الروحانيات، وتكثر الدعاوى و التبريرات…

شكراً كورونا فلقد أثلجت صدري وأنت تبين حقائق الأشياء….

وأخيراً أيها الكورونا … عسى الله أن يشفي من أصبته، وبإذن الله تنجلي الغمة، وتنفرج الأزمة، وتعود الصحة للأمة، فلا نتمنى لقاءك ونسأله سبحانه العافية، ولكن كان لزامًا علينا أن نذكر لك فضلك والمولى يقول{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

Posted by: شيخة المطوع | 2019/01/27

مرحباً … هل أصبحتِ شيئاً؟

اتصل علي مسؤول المبيعات لإحدى شركات الاتصال، وبعد أن رحب بي قال: لقد اخترنا رقمك من بين آلاف الأرقام كونك عميلة قديمة ومميزة و…و … أخذ يتلو علي منظومته التي يرددها مع غالبية العملاء، والتي ُتلقن ويتدرب عليها كافة الموظفين لكسب العملاء وتحقيق الأرباح، ثم أردف قائلاً: لقد فزت بهدية قيمة وبلا مقابل، جهاز الآيفون الجديد والذي لم يكتسح بعد الأسواق، متوفر لدي بكل الألوان، وبكافة المواصفات، يكفي أن تختاري ليصلك مندوبنا في الحال، وبلا أي مقابل أو مال…

-أجبت على الفور: ممم حسناً شكراً لكني لا أحتاجه الآن، جهازي يعمل و بأفضل حال…

-ابتدرني قائلاً: سيدتي لعلك لم تفهمي قولي… أقول لك: مجاناً بدون مقابل ِأو مال …

-بلى فهمت جيداً ولا أحتاجه الآن ..

-صمت لبرهة مشدوهاً من الجواب، ثم قال: اسمحي سيدتي لفضولي: ولم لا ؟!

عرضٌ جذاب، وبلا تكلفة أو حساب، أنت أغرب من كلمته من العملاء!

فكري في كلامي مجدداً ولا تتسرعي في اتخاذ القرار ، وسأعاود الاتصال بك بعد أيام.

وبعد أن انتهيت من المحادثة أطرقت متأملة، عرض عرضاً ولم أقابله بالإيجاب ما الغرابة حقاً فيم قلت؟! هل كان متوقعاً من أن أطرب فرحاً ، وأشكره بحرارة وأمضي في اختيار الألوان التي أهواها والمواصفات، إن لي مطلق الحرية كإنسان أن أختار وأرفض ما أشاء…

وأعدت المحادثة بيني وبين نفسي وتخليته يقول: مرحباً سيدتي هل أصبحتِ شيئاً؟؟!لعلي أتحفك…. سأعرض عليك عرضاً وكونك مؤكداً ستقبلينه، فإن مندوبنا سيصلك الآن، واعذرني على الإطالة فإن لدي عملُ علي تأديته في الحال!!

الأصل في خلقتنا كبشر أننا مختلفون متباينون، لايمكننا قولبة سلوكياتنا وردود أفعالنا، لكنها تلك الأخلاق المدنية، النفعية، تجعل الإنسان كجهاز متوقع أداؤوه وعمله وفقاً لنوعية البيانات والمدخلات، لا يمكن أن يحدث خللاً أو برمجة مغايرة لغيره من الأجهزة والآلات…

وتزاد تلك الحالة سوءً في عالم البرمجة والرفاهية والكماليات، يظن الإنسان أنه يستطيع تطويع قدره، والكون المحيط به بلمسة من أنامله، يغضب ،يزمجر ، يثور، إذا لم يتحقق مراده، أو إن لم يكن ما حوله طوعاً لأمره…

حتى أخلاقيات المروؤة، والشهامة، والنخوة، والطيبة، والجود أصبحت مستغربة ومن يتملكها فكأنما يقتني شيئاً من التراث، وعليه أن يتراجع عنه و يستبدله بغيره، لأنه سيضيع، ويتحطم، ويقضى عليه في عالم الاستبداد والاستهلاك، وسيصبح عرضة للغش ،والوقيعة، والاستغلال…

عندما أتعرف على إحداهن، وأشيد بطيب خلق أبنائها، تقول لي كالمتحسرة: ولكني قلقة عليهن ووجلة، حياتنا اليوم أشبه بغابة فيها الوحوش الكاسرة، فإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، لطفهم، وطيب خلقهم لن ينفعهم، ليتني أستطيع تقويتهم و شحذهم، و الزج بهم في معترك الحياة!

حتى حينما ألقي درساً أشرح فيه خلقاً أو أبث فيه قيمة، شيئاً من قبس النبوة، أو هدي الصحبة، أرقب النظرات الساخرة، وكأني أتكلم عن المدينة الفاضلة، أو عن واقع افتراضي لا وجود له من الأساس..

ولعل من أجمل الأقلام التي كتبت عن صراع الأخلاق ما كتبه عبدالوهاب المسيري وهو يتحدث عن سيرته إذ يسميها (الأخلاق التعاقدية) ويقصد بها الأخلاق المادية والاستهلاكية، ( والأخلاق التراحمية) ويقصد فيها الأخلاق الأصيلة والقيم النبيلة .

أعجبني جداً تحليله لدرجة أني أعدت تلك الوريقات تكراراً ومرارًا، ولأني مولعة بالتحليل والتمثيل، صرت أحلل خلق كل من تعامل معي، وأحيلها عادة إلى البيئة التي نشأ فيها، أو الظروف التي حتمت عليه التعامل بتلك الأخلاق وأعذره وفقاً لذلك…

وعندما ألتقي بإحداهن وهي تحمل من الصفات والأخلاق التراحمية أتشبث بها، وأحس أنني أقتني كنزاً نادراً، أنبسط معها وأتحدث أحاديث مطولة، وأعجب بصدقها ،وجميل عفوها، وأطرب لكرم خلقها، و طيب أصلها…

أما عندما ألتقي بالنقيض أحس أننا في عالم محكوم، وأننا مسيرون، تأسرنا الصورة، وتحكمنا المادة، المشاعر منقبضة، الصدور ضيقة، ردود الفعل متشابهة، والأخلاق متوقعة خاصة حينما ترتبط بالمادة…

رفقاً دعونا نمثل أنفسنا، ونتخلق بأخلاقنا، ولا تحكموا علينا، أوتتنبؤوا بأحوالنا، نشتاق لإنسانيتنا ولا نطمح بأن نكون أشياء فارغة !

Posted by: شيخة المطوع | 2018/08/11

بائع الوهم

هممت أن أكتب رواية خيالية، أحكي فيها عن شخصياتٍ وهمية، تدور قصتها حولٍ بائعٍ متجول يجوب الطرقات، ويطرق أبواب البيوت يعرض بضاعة غريبة بعض الشئ ولكنها مغرية، و الناس يقبلون بل يتهافتون عليها، ومستعدون لانفاق مايملكون للتمتع بعروضها السحرية،

الغريب في الأمر أن بضاعته تجعلهم يحيون حياة وهمية، يتمتعون بما لا يملكون ، ويتصنعون مالا يجيدون، ويهرفون بما لا يعرفون، ويلونون أشكالهم ويزخرفون، ويرددون مالا يعلمون، ورغم معرفتهم بذلك فهم يريدون المزيد، ويطمعون للتصنع والتباهي من جديد، وتكبر داوائر الوهم، وتغدوا كفقاعات الصابون، والنَّاس يعيشون بداخلها ويحلقون ، ويتبادلون التحية من خلالها ويسعدون، وكلما ارتفعت انفجرت الفقاعة وألقت بهم أرضاً، و تراهم لا يأبهون ويصرون على التحليق والتباهي من جديد !!!

إن أمرهم جد لغريب، فهم على أهبة الاستعداد للتخلي عن القريب قبل البعيد،بل وللتنازل عن الكثير مما يدينون ويؤمنون، وغيرها العديد …

الرابح الوحيد في ذلك كله بائع الوهم، فهو يسوق لهم من خلال بضاعته ما يريد، ويوجههم لنفعه الأكيد، وهم يبذلون وينفقون ويطلبون المزيد…

وفِي أثناء سردي لتلك الرواية فطنت إلى أنها أقرب للحقيقة منها للخيال، ورأيت أمثلة مرئيّة تمثل تلك الأدوار، بل وحملقت حولي إلى عالمنا و قد امتلىء بتلك الفقاعات، ففي العالم الالكتروني تتحول الحقائق إلى سراب، ويستمتع البشر بالتمثيل وتبادل الأدوار، وقد نكون من ضمن الممثلين ويجرفنا تيار الوهم من غير وعيٍ منا وإدراك…

قبل أن نخوض تجربة العالم الافتراضي كان التظاهر شحيحاً، والتصنع مقصوراً مخصوصاً، واليوم باتت الغالبية تبحث عن الأوهام، وتشتري الأحلام، وتجيد الإدعاء، وتصدق الفبركة، وتكره الحقيقة والمواجهة!

مهلاً أيا بائع الوهم رفقاً بقلوبٍ قد مقتت تلك الإدعاءات، وكرهت تلك الصور وأرادت تذوق حقيقة الحياة، وسئمت البحث والتدقيق ليمكنها القبول والتصديق، وملت من التحليق في تلك الفقاعات في الأفق القريب…

إنها ترنو فقط لأن تكون كما هي من غير تنقيحٍ ، أو فبركةٍ، أو تمثيلٍ، أو تصنعٍ ، أو تلونٍ، أو تغيير، والأمر لا أظنه بالأمر العسير!

Posted by: شيخة المطوع | 2017/12/06

مالم تقله أمي

بعد إنتهاء إحدى محاضراتي العامة
أقبلت مستمعة نجيبة أريبة إلى والدتي الجالسة في الصف الأمامي قائلة: بالله عليك أخبريني كيف ربيت ابنتك ووصلت بها إلى هذه الرتب، أفيدنا من خبرتك لنربي أبناءنا ونرقى بأجيالنا ؟! 

ردت أمي بعفوية متناهية، وتواضع منقطع النظير كحالها في أغلب المناسبات التي يوجه إليها مدح أو ينسب إليها معروف: إن ابنتي هذه نشأت بين دفتي الكتب، عاشت قارئة هاوية للعلم والتعلم، فأزعم أن الكتاب أدبها، وتلك المؤلفات من هذبها ! 

والحقيقة تذكر أني امتعضت من إجابة والدتي، وتمنيت لو أنها ذكرت وعددت أسالييها التربوية على الأقل فيما يتعلق بتوجيهي لحب الكتاب والتعلق به، وأضمرت في نفسي أمراً سأكتب مالم تقله أمي، وأنسب إليها كل الفضل لعلى أوفيها بعض حقها علي وإن كان ديناً صعب السداد . 

أمي الحبيبة :

هل تذكرين القصص التي اعتدت أن تقرأيها على مسامعي منذ نعومة أظفاري، أتذكرين تلك الروايات الموروثة الشعبية، والأخرى الخيالية التي بدأت من خلالها تتشكل مخيلتي وتتسع آفاقي، ودرجت على ذلك مع بقية إخوتي حتى إننا كنّا نلومك على رغبتك في سرد القصص لهم وقد بلغوا مبلغ الفتيان !

ولكِ أن تتخيلي أماه أنني أخطو خطوك الآن ومازلت أتدثر بدثار أبنائي وأروي لهم القصص وأحكي لهم الحكايات.

 أمي الغالية :

لعلك لا تعلمين أني كنت أباهي بك أقراني ،وأتفوق دوماً بالإجابة عليهن والسبب قصص الأنبياء،وقصص السيرة، وقصص القرآن التي قد سردتيها علينا في سن مبكرة حتى أنها حاكت شخصياتنا، ورسمت توجهاتنا، هل تصدقين أماه إني في إحدى المحاضرات الجامعية أجبت إجابة عجزت عنها البقية فسألتني صديقتي التي تقطن بجنبي أنى لك هذا قلت: هو من عند أمي! 

أمي الطيبة:

لعلك لاتنسين يوم الأربعاء الذي كانت تتم به العراكات بيني وبين إخوتي لأحصل على نسختي من مجلتي المفضلة ماجد، وكنت تقفين دوماً في صفي، وتؤجلين أعمالك الأكثر أهمية وأعمال إخوتي المستعجلة وترسلي السائق ليبحث لي على نسخة منها حيث كانت تنفذ بسهولة.

أبشري مازالت مجلداتها في مكتبتي وأطلع عليها بنياتي، فقد كانت بوابتي للمعرفة وأصبحت شاهداً على أخذك بيدي لولوجها! 

أمي الحنونة : أتذكرين حينما كنت أطرق بابك في الليل أستجدي بك وأشتكي الأرق، فترشديني إلى القراءة وتقولين إنها علاج فعال فبمجرد شروعك فيها سيغالب الكرى مقلتيك وتحققي بغيتك…

هل تعلمين أمي أني ما زلت أستخدم وصفتك هذه، وأني قد ختمت بفضلها الأجزاء والكتب والكراريس ، ولا أخفيك سراً أنها قد تأتي بالنتائج العكسية في أغلب الأحيان وأكمل ليلتي في صحبة كتاب !

هل تذكرين أماه حين تولعت بالشعر والأدب، وكيف كنت تغذينني بكتب العشماوي وتمديني أنت ووالدي بها، حتى إني حين قمت بإجراء عملية جراحية هرعت إلى أقرب مكتبة واشتريت لي كتاباً يحتوي بعضاً من الأشعار وقلت لي إقرأي هذه الأبيات ولاشك أنك ستتشافين بها، ولا زالت أدندن بها : 

مالي وللنجم يرعاني وأرعاه

أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه….

هل تذكرين أماه حين كنت أحصل على المراتب الأولى في مسابقات إلقاء الشعر، كم كنت تفخرين بي أمام الملأ وتطلبين مني أن ألقي عليهم قصائدي، وكم كانت تمتلك النشوة والعزة وأنت تدللين علي في كل مجلس: انظروا هذه ابنتي!

وكم تمنيت أن  تتمينها بقولك إنها حصاد يدي!
 أمي الحبيبة إن غدوت قارئة فأنت من غرست فيّ حب المعرفة، وأنت أول من شكل عقلي، و أطلق يراعي، و أعد لي جمهوراً ليسمعني..

ولعلك ومثيلاتك أمي من ألهم هبة بن حمادة أن تقول “لا تشتري للطفل هدية لأن الزمن سيصنع منها خردة ، قصَّ عليه قصّة فالزمن يصنع منها ذكرى سعيدة”. .

Older Posts »

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: